البعد الاقتصادي في تقنية زراعة اللحوم

يسمى الجيل الأول من الإلكترونيات الجيل التماثلي، ويسمى الجيل الثاني منها الجيل الرقمي «الديجيتل»، وفي عالم الغذاء تعد اللحوم المزروعة مخبرياً الجيل الثاني من جيل اللحوم Food 0.2.

ومن يتأمل طبيعة الجيل الأول من تلك الصناعات، سيجد أنها كانت ذات كلفة باهظة ما جعل دواعي الجيل الثاني لها اقتصادية، وليس ذلك على مستوى الصناعات فقط، بل وعلى مستوى أشكال المهن والوظائف التي كانت اليد البشرية العاملة هي القوة الفاعلة فيها، وقد تمت أتمتة معظم الوظائف والمهن لنفس الدواعي الاقتصادية.

بالنسبة للجيل الثاني من اللحوم، فقد بدأ بتصور ارتبط في مخيلة الناس بالنظرية الاقتصادية، وقد قال ونستون تشرشل عام 1931 تعبيراً عن ذلك: «سنهرب من عبث تربية دجاجة كاملة من أجل أكل الصدر أو الجناح، من خلال زراعة هذه الأجزاء بشكل منفصل باستخدام وسيط مناسب». وفي عالم الفضاء فقد انتبهت وكالة «ناسا» إلى أن تقنية إنتاج اللحوم المصنعة في الفضاء لرواد الفضاء على الأمد البعيد بزراعة اللحوم دون التضحية بمساحة التخزين أثناء السفر، وقد عكفت «ناسا» منذ عام 2001 على إجراء تجارب وأبحاث حول تقنية زراعة اللحوم مخبرياً، وهي بالفعل تنتج اللحوم المصنعة من خلايا الديك الرومي.

وبالنظر إلى الفرق الاقتصادي في الطرق التقليدية لإنتاج اللحوم وطريقة زراعتها مخبرياً سنجد أنها ذات بون شاسع، حيث إن الطرق التقليدية كانت تستغرق الكثير من الجهد والمال واستهلاك الموارد في سبيل تربية الحيوانات وإطعامها والاعتناء بها، عدا ما كان يخلفه استهلاكها من أمراض على البشر بسبب المواد العضوية والكيميائية التي تستخدم عادة في عملية تسمينها واستدعاء نموها بشكل سريع نتيجة لزيادة الطلب اليومي عليها، والحاجة لتغطية متطلبات السوق، عدا استهلاك الأراضي الزراعية في زراعة احتياجاتها بدلاً من استغلالها في زراعة محاصيل ذات فوائد مباشرة للناس، فضلاً عن مخلفاتها ومخلفات ما بعد ذبحها والحاجة الدائمة لاستهلاك كميات مهولة من المياه في عملية التنظيف لتلك المخلفات. أما طريقة زراعتها مخبرياً فتكاليفها الاقتصادية ليست شيئاً ذا أهمية يمكن مقارنته بتكاليف الجيل الأول إطلاقاً.

ولعل وظيفة باحث أو منتج للحوم المصنعة مخبرياً التي سيزيد الطلب عليها خلال العشرين عاماً المقبلة، تماثل وظيفة الطبيب البيطري في العالم التقليدي أو الجيل الأول لصناعة اللحوم وإنتاجها، وأما الباحث في مختبرات زراعة اللحوم، فستكون من مهامه العمل على زيادة الإنتاج لتغطية طلبات السوق، والبحث عن أجدى السبل لإنتاج لحوم ذات مواصفات قياسية عالية، وهنا يمثل الباحث الجانب النظري، أما الجانب التطبيقي والعملي فسيمثله المنتج للحوم المخبرية.

رغم ذلك تبقى مسألة الأعراض الجانبية أو المضاعفات لتقنية زراعة اللحوم وصناعتها مخبرياً هي المسألة الأهم في هذا التوجه الجديد، حيث لا أحد يعلم إلى أي مدى يمكن أن تصل إليه، وماذا يمكن أن تخلفه على البشرية من مضاعفات، فالأتمتة بدت في أول وهلة شيئاً خلاباً بالفعل، خصوصاً حين يتطرق الناس إلى الجوانب الاقتصادية، لكن مضاعفاتها، وما ستخلفه من انقراض لأشكال المهن والوظائف التي كانت يد الإنسان هي الفاعلة فيها، جعلت الكثير يشكون في أمر الأتمتة، ويتراجعون عما تصور لهم عنها من انطباع اتسم بالإيجابية في بادئ الأمر، لذلك لا بد من هندسة صحية ترافق عملية صناعة اللحوم مخبرياً، وبشرط أن تتسم بصفات الهندسة المالية ومبادئها، مهمتها أن ترافق عملية الأبحاث الخاصة بهذه الصناعة وتستدعي نتائجها لترسم حولها مخططاً احترازياً لأي طارئ، تماماً كما يدرس مجال الهندسة المالية المشاريع ويؤمن خطاها ويحتاط لأي طارئ مستقبلي قد يواجهها. وللحديث بقية.

 

* خبيرة اقتصاد معرفي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات