الخلط بين الرأي والمعلومة

قرأت تدوينة في «تويتر» لمغردة قالت إنها شاهدت تمارين عملية أعجبتها في كتب المدارس الأجنبية، حيث «يُعطى الطفل نصاً ويستخرج منه الطفل الآراء والمعلومات، ثم يصنفها في جدول». وهو بالفعل تمرين في غاية الأهمية. شخصياً أفردت صفحات عدة، في سلسلة كتبي عن فضيلة الإنصات، حول مفهوم الخلط بين الرأي والحقيقة (المعلومة)، الذي بدأ يوتر العلاقات ويؤجج الخلافات. مشكلتنا عندما نتحدث نخلط بين رأينا والمعلومة المجردة، وندافع باستماتة ناسين أو متناسين أن رأينا ليس حقيقة مسلماً بها. فحينما نقول، مثلاً، إن الولايات المتحدة الأمريكية عضو في الاتحاد الأوروبي، فإننا بنينا النقاش على معلومة غير صحيحة. هنا ينبغي أن يتدخل أحد لتصحيح معلومة قام على أساسها النقاش برمته. أما إذا ما كان محدثنا يعبر فقط عن «رأيه» فتلك مسألة في غاية الأهمية لنا كمستمعين للتفريق بينه وبين ما يدلي به من «معلومات». فمن حق المتحدثين أن يعبروا عن آراء هزيلة أو تافهة مغايرة لتوجهاتنا، ولكن ليس من حقهم أن يضللونا «بمعلومات» غير حقيقية.

الحوارات تبنى على ثلاثة أمور: المعلومات، والآراء، والانطباعات. وتأتي الأسئلة لتوضح تلك العناصر الثلاثة. فكثيراً ما تحيد الحوارات عن جادة النقاش البناء إلى ملاسنات واتهامات لأن أحد الأطراف يصر على استغفال الحاضرين ومدّهم بمعلومات مضللة أو غير صحيحة، ولا يكلف نفسه عناء وضع «خط رجعة» كما يقال، يحفظ به ماء وجهه عندما يكشف له المستمعون عدم صحة معلوماته. فعندما يجزم أحدنا بأن هذا الطعام علاج لمرض ما، أو أن هناك زيادة في الرواتب أو مكافأة نهاية العام وغيرها، فإنه يخلط بين «توقعه» وبين «المعلومة»، فالأخيرة يستقيها من مصادرها. والتوقع مثل الرأي، لا يجدر أن يبنى على التعصب أو الجزم ولا مكان فيه للحدة الكلامية، لأنه مجرد توقع عابر قد لا يقع مستقبلاً. مثل من يرى ثمرة غير يانعة يصعب عليه معرفة نوعها فيذهب بتوقعه بعيداً، وبعد أسابيع يكتشف أنها لم تكن سوى فاكهة أخرى مختلفة.

وعندما يقول أحد المرشحين إن هناك تزويراً أو تلاعباً في الانتخابات، فهو يعبر عن رأيه أو توقعاته، وفور ما يقدم دليلاً دامغاً مصوراً أو مسجلاً يعتد به في جهات التقاضي، فإن ذلك «التوقع» يتحول إلى معلومة أو حقيقة.

ومن أكثر ما يثير حفيظة الجالسين قضية «التعمد» في الخلط بين الرأي والحقيقة. ولذا قالت الشاعرة سعدية مفرح «آفةُ كل نقاش الخلط، المتعمد وغير المتعمد، بين الرأي والمعلومة». وهناك من يتعمد تقديم رأيه كحقيقة مسلم بها من دون قصد، لأنه لم يتأمل كلامه جيداً. والمتأمل لحالنا يجد أن أصل المشكلة في الحوار تكمن في المنزل، فإذا ما كان مكاناً يختلط فيه الحابل بالنابل والرأي بالحقيقة، وتغيب عنه الموضوعية، فكيف نتوقع أن يكون أطفاله في المستقبل. فمن شب على شيء شاب عليه. ولذلك من الصحي أن يستخدم الوالدان حق النقض «فيتو» في حوار عائلي عندما يجزم أحد أبنائهم بحدوث أمر ما فيسألانه، عما إذا كان لديه دليل على هذه المعلومة، وإن كانت الإجابة بالنفي، فيذكر بأنه ليس سوى «توقع» أو «رأي». ولذلك قال الشافعي: رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ.

كمتابع للبرامج الحوارية العربية والمنتديات والجلسات، وبعد دراسة أعددتها عن آداب الحوار في البرامج الحوارية ومجلس الأمة (الكويتي)، نشرتها في كتابي «لا تقاطعني» توصلت إلى قناعة بأننا أحوج ما نكون إلى توسيع فكر الحوار الموضوعي والعقلاني والنقدي في مدارسنا، فضلاً عن تكثيف التمارين العملية في الفصول الدراسية وورش العمل للقياديين وأصغر الموظفين للتدرب على أبجديات تبادل أدوار الحوار. ولكي ينجح حوارنا لا بد أن ندرك أن ثمة فارقاً كبيراً بين الرأي والمعلومة (الحقيقة)، وما دمنا نخلط بينهما فإننا على الأرجح سنعاني مزيداً من المشاحنات والحدة في حواراتنا اليومية.

* كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات