من الآن لن يدافع عنكم أحد

تحولات كثيرة يشهدها العالم من حولنا في هذه السنوات، تحولات على المستوى الدولي وسياساته، وتحولات على المستوى المجتمعي بقضاياه ومشاكله، فالعالم بأكمله أصبح يرى مصلحته هي المصلحة العليا، ومستعد أن يحارب الجميع من أجل ذلك، ربما يقول البعض إن هذا ليس بالشيء الجديد، والعالم منذ وقت طويل يتعامل مع بعضه البعض بهذا المبدأ، ولكن ما هو الجديد أن هذه الحالة ستؤثر على الكثير من التحالفات وسياسات الحماية، وكل دولة ستعلن شعاراتها قريباً؛ ليس من شأننا أن نتدخل بقضاياكم، عليكم حماية أنفسكم بأنفسكم، وعليكم أن تنقذوا بلدانكم، بالعامية «اللي فيني مكفيني»، فأغلب دول العالم تعاني داخلياً، ولديها مشاكلها التي ستلتفت إليها بشكل أكبر خلال السنوات القادمة، وهذا يجعلنا ندرك حقيقة دولنا وما عليها فعله في قادم الأيام.

ربما شاهدنا خلال السنوات الماضية تغييراً كبيراً في السياسة الأمريكية تجاه العالم، والصدام الكبير مع الحلفاء والشركاء، والتخلي عن الموالين لسياساتها وطالبين حمايتها، والسبب الرئيسي لذلك أن أمريكا تنظر لمصالحها، ولماذا تدافع عن دول وحلفاء دون مقابل، وقد قالها الرئيس ترامب صراحة «من يريد الحماية فليدفع»، وانسحاب أمريكا ليس وحده ما سنشهده خلال الفترة المقبلة، فحتى القوى العظمى إذا لم تجد مصالحها فستخرج عاجلاً أم آجلاً، فالجميع يعاني ولن تتحمل أي دولة تكاليف الصراع والحرب دون مقابل، ولذا على بعض دولنا العربية أن تفكر في شركائها الاستراتيجيين وأن تسند نفسها بنفسها، وأن تقوم بإصلاحاتها التي تضمن بقاءها.

هذا الأمر ينطبق على قضايانا العربية المحورية، فقضيتنا العربية الأعمق تاريخاً «القضية الفلسطينية» إذا لم تلتفت القيادة الفلسطينية لاستغلال الفرص التي تمتلكها ولم تساند بعضها وتقوم بشعبها لتأسيس دولتهم، فلن تجد الدعم العربي ولا الغربي التي حظيت به طيلة السنوات الماضية، ليس لتغير السياسات بقدر ما أن على القيادة الفلسطينية أن تُنهض نفسها بنفسها وتساند نفسها بنفسها.

وأيضاً القضية السورية، مهما كانت مستندة إلى الحلفاء فلن تجد الحل إلا إذا أرادت سوريا أن تنهض وتقوم معتمدة على نفسها، وكذلك الأمر بالنسبة للمشاكل في لبنان وليبيا واليمن، وغيرها من المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها بعض دولنا.

ما ينطبق على السياسات الدولية والتعامل بين الدول ينطبق تماماً على التعامل بين الأشخاص أنفسهم، «اللي فيني مكفيني» لسان حال الكثير من الأشخاص هذه الأيام، وقد تجدونها تقال لكم كلما طلبتم المساعدة حتى من أقرب الأشخاص لكم، فنحن في زمن يجب أن تعتمد فيه على نفسك اعتماداً كاملاً، وأن لا تسند ظهرك على أبٍ غير قادر على حمايتك طوال عمرك، ولا على عائلة قوية تستطيع تلبية متطلباتك المعيشية، ولا حتى على صديق ميسور الحال ربما يساعدك في محنتك، فالجميع سيغلقون الأبواب بوجهك ويتركونك وحيداً، ليس لأن الطباع تغيرت، ولا لكون المسألة أصبحت مصالح في مصالح، ولكن لأنهم سيكونون مجبرين على ذلك، فصعوبة الحياة ومتطلباتها الكثيرة ستجعل كل شخص يفكر بنفسه أكثر مما سيفكر بمن حوله، وكل شخص لديه من الحمل ما يجعله يتقي نفسه من غدر الزمان، ولذا علينا أن نبني أنفسنا، نستعد لمستقبلنا بأنفسنا، وأن لا نعتمد على أي شخص في حياتنا، فالقادم صعب على الجميع، فلا تضع الآمال دون أن تصنعها بنفسك.

المرحلة القادمة في حياتنا ستعتمد بشكل كبير على النفس، وربما هذا الأمر يكون صعباً، وسيقطع الروابط بين الكثير من الأشخاص، وسيجد لنا حالة من الأحادية، لكن هذا واقع علينا معايشته حتى تتغير الأحوال، والمعايشة تتطلب مجهوداً أكبر لفهم المسألة وأبعادها والمضي على أساسها.

ربما يرى البعض التشاؤم في كلامي، إلا أن الواقعية في الطرح ومواجهة الذات هي الأسلم لكي لا نبني أحلامنا وتطلعاتنا على أوهام، ومن الجيد أن نربي أجيالنا على الاعتماد على أنفسهم، وأن نعلمهم كيف يكونون وحيدين، ليتعلموا كيف يواجهون مصاعب الحياة حتى لا نتركهم بين لحظة وضحاها يواجهون مصيرهم ونحن الذين عودناهم على أننا ظهرهم وسندهم، فإن كنا نحن لا نستطيع أن نكون ظلهم، فلماذا نربيهم على أننا سندهم الحامي، وبدلاً من ذلك علينا أن نجعل منهم صخرة تواجه الصعاب، وهكذا الحال بالنسبة لدولنا وقضاياها المحورية والتي يجب أن تبني نفسها كي لا يتهَدد مستقبلها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات