المهاجرون وعبرة النموذج الكندي

قطعت دراسة متخصصة، نشرتها حديثاً كلية لندن الجامعية، قول كل مرجف بالمخاطر والأعباء الصحية التي يشكلها المهاجرون لدى المجتمعات الغنية المستقبلة، إذ قالت الدراسة إن ما يردده العامة بهذا الشأن «ليس سوى خرافات تستخدم لتهييج المشاعر المعادية للمهاجرين، الذين غالباً ما يتمتعون بصحة أفضل من سكان بلدان المهجر، ويساعدون في مكافحة الأمراض بالعمل في مجال الرعاية الصحية».

أثبتت الدراسة، التي استغرق إعدادها عامين كاملين، أن متوسط أعمار المهاجرين عموماً أطول من أبناء الدول المضيفة، وأنهم أقل عرضة للوفاة بأمراض كالسرطان والقلب، وأن ما يسهمون به في الاقتصاد أكبر من التكلفة الاقتصادية التي تتحمّلها هذه الدول.

هذا التقييم، بأسانيده العلمية الرصينة، جاء موافقاً تماماً لتقدير أنطونيو فيتوريني مدير عام منظمة الهجرة الدولية، الذي صرح قبل شهرين بأن المجتمعات الغنية أدركت دور المهاجرين في استمرار عجلة بعض الأعمال، رغم وجود وباء «كوفيد 19». وفي دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، كانت نسبة المشاركين منهم في التصدي للوباء أعلى بكثير قياساً بالسكان الأصليين.. هذا علاوة على أن «بلداناً كثيرة تعرضت لخسائر كبيرة، جراء الإغلاق المطبق أمام المهاجرين».

عند استفحال نتائج الوباء، الذي باغت الدنيا بأسرها قبل عام تقريباً، كانت معظم الدوائر المعنية بشؤون الهجرة في دول الاتحاد الأوروبي، على دراية بالدور الاقتصادي الإيجابي، الذي يمارسه المهاجرون بين ظهراني مجتمعاتهم.

ومما قيل في ذلك، وبخاصة لدى الشطر الغربي من هذه الدول، أن ثمة حاجة ملحة للمهاجرين بسبب «الشيخوخة المتزايدة بين المواطنين في هذه الدول، وأيلولة كثيرين منهم للتقاعد، وبالتداعي ضآلة عدد دافعي الضرائب، وارتفاع تكاليف أنظمة التأمين الصحي، مع قلة الأيدي العاملة القادرة على تشغيل دواليب الإنتاج». بيد أن أصوات القوى الشعبوية والشوفيينية، كانت لها اليد العليا في إثارة الشكوك وتأليب الرأي العام ضد موجات الهجرة والمهاجرين.

اللافت بالخصوص أنه في الوقت الذي ما زال الأوروبيون منشغلين فيه بالتناظر حول، والمفاضلة بين، الفرص والتحديات، المترتبة على استقبال اللاجئين والمهاجرين، وكذا باستخلاص عبرة زمن الوباء في هذا السياق، حسمت السلطات الكندية على الجانب الآخر من الأطلسي أمرها، وقررت استقدام أكثر من مليون مهاجر خلال السنوات الثلاث القادمة. وبين يدي هذا القرار الفارق، أشار وزير الهجرة واللاجئين والجنسية الكندي إلى أن «نظامنا الصحي وسلامة القطاعات الأخرى، تعتمد على مهارات القادمين الجدد، ما يؤدى إلى توفير مزيد من فرص العمل للكنديين».

بلغت القناعة بهذا التصور حد عرض تسهيلات، تغري المهاجرين وطالبي اللجوء المؤقت بالبقاء والإقامة الدائمة، وصولاً إلى فتح الباب أمامهم للحصول على الجنسية. وليس بلا مغزى على التوافق المجتمعي والسياسي نحو تغليب جانب الفرص على المخاطر في هذا المثل، أن مختلف الأحزاب الفاعلة في البلاد، وفي طليعتها الحزب الليبرالي الحاكم بزعامة جاستن ترودو، تجتمع على هذا العرض. ويتجلى ذلك في الإجماع على تبسيط إجراءات الهجرة وجمع شمل أسر المهاجرين، وتعزيز سبل إدماجهم لجهات اللغة والقيم الاجتماعية والسياسية، مع الحرص على انتقائهم وفقاً لضوابط معينة كالمؤهلات العلمية والمهنية والضرب على أيدي وكلاء وسماسرة الهجرة الفاسدين، والتأكد من عدم استغلال العمال المؤقتين أو تعريضهم لظروف بائسة، وجعل مستوى الهجرة في حدود 1 % من عدد السكان سنوياً.

في وقت قريب أو بعيد، سوف تنصاع المجتمعات الأوروبية لسنن العولمة الاقتصادية، ومنها التعامل الإيجابي مع ظاهرة الهجرة والمهاجرين، التي لا غنى عنها لمعالجة بعض النقائص التي تفعل فعلها في أحشاء القارة العجوز. ونحسب أن تحفظات الأوروبيين ومخاوفهم، في مقابل انفتاح المجتمع الكندي وأريحيته في هذا المضمار، تعود بنسبة كبيرة إلى تبعات الثقافة القومية الفوارة والراسخة في الرحاب الأوروبية، فيما لا تعاني الدولة الكندية الأحدث عهداً بكثير من مثل هذه الحمولة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات