قبرص بين واشنطن وموسكو

الصراع في شرق البحر الأبيض المتوسط لا يقتصر فقط على دول المنطقة من أجل الحصول على النفط والغاز، بل باتت المنطقة ساحة مفتوحة لصراع جيوسياسي بين القوى الكبرى وفي مقدمتها التنافس المحموم بين الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما دفع الولايات المتحدة لتحذير قبرص من استقبال السفن العسكرية والبوارج الروسية خاصة تلك التي تحمل صواريخ مجنحة، الأمر الذي يضع نيقوسيا لأول مرة منذ فترة طويلة في مأزق الاختيار بين روسيا والولايات المتحدة.

منذ عهد الملكة كاترينا الثانية «1762 - 1794» كانت روسيا تنظر لقبرص باعتبارها مفتاحاً للتواجد الروسي في المياه الدافئة، وأنها المكان المثالي للأسطول الروسي عندما يخرج من البحر الأسود للبحر المتوسط، لذلك كان الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال قبرص عام 1960، وعندما تولى الرئيس بوتين السلطة حرص على دعم العلاقات الروسية القبرصية، وقدم الكرملين 2.5 مليار يورو لدعم قبرص عام 2011، كما أن السائحين الروس يشكلون «عصب» الدخل الاقتصادي للجزيرة، وتعزز الوجود الروسي في قبرص عندما بدأت قبرص العمل بنظام «جواز السفر الذهبي» الذي يمنح الجنسية القبرصية لمن يستثمر 3 ملايين يورو في قطاعات مثل العقارات، وهو ما أدى لانتقال ما يقرب من 30 ألف من الأغنياء الروس للجزيرة.

بعد التقارب الروسي مع تركيا وتوسيع القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم عادت الولايات المتحدة بقوة لقبرص من خلال التدريبات العسكرية المشتركة، وتأسيس مركز للمراقبة البحري، ونقلت واشنطن معدات عسكرية من قاعدة «إنجرليك» التركية لقاعدة «سودا» في جزيرة كريت اليونانية، وبعد رفع حظر بيع السلاح على قبرص تسعى واشنطن للحصول على المقابل، وهو وقف استضافة القطع البحرية الروسية في ميناء ليماسول، ولهذا تحاول قبرص أن يقف على مسافة واحدة من الجميع، لكن في ظل التنافس الحالي، ربما عليها أن تحدد أولوياتها بين الدعم الروسي، وبين المساعدات الأمريكية لوقف الغطرسة التركية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات