أمريكا وليس الحزب

قلنا فيما سبق إن التكهّن بنتيجة الانتخابات الأمريكية أمر صعب. كثيرون -وكاتب هذه السطور منهم- توقّعوا فوز دونالد ترامب، استناداً لندرة الحالات التي لم يستمر فيها الرؤساء لولاية ثانية، وتبيّن على نحو محسوم أن ترامب ينتمي إلى ست حالات أخرى لم يمدّد لهم الأمريكيون منح الثقة.

إذا كانت الولايات الأكثر تأثّراً بفيروس كورونا صوّتت لترامب، كما تؤكد تقارير متطابقة، فهذا يعني أن «كورونا» بريء من خسارة الرئيس الجمهوري. الاقتصاد كذلك ليس متّهماً، إذ إن الرجل للإنصاف والتاريخ، حسّن الحالة الاقتصادية ورفع من نسب فرص العمل. إذاً ما الذي حصل؟.

ربما يتعلّق الأمر برؤية الأمريكيين للأمام وليس بالوراء. قد يكونون خافوا من مستقبلهم مع ولاية جديدة لرجل متقلّب المزاج، من ولاية يجد نفسه فيها متحلّلاً من حسابات الربح والخسارة، وفضّلوا رئيساً أكثر هدوءاً واستقراراً، وقد جرّبوه نائباً للرئيس، وليس وجهاً جديداً.

ليس في ملّف بعينه أثار ترامب مخاوف الأمريكيين من أدائه، ليس من حيث المبدأ، إنما من حيث التفاصيل، إذ إنه قدّم نفسه كما هو في حملته الانتخابية للولاية الموشكة على الانقضاء. قدّم نفسه بعفويته وارتجاليته وصراحته، لدرجة القول علناً إن الأمريكيين «لا يحبونني، لكنّهم بحاجة لي».

لم يفضّل الناخب الأمريكي أن يضع مصيره بيد وعقل رجل يستعصي على الفهم والتوقّع، رجل يتّخذ القرار في لحظات ويناقضه في لحظات، ويعزل مسؤولين كباراً بتغريدة على «تويتر»، رجل بدأ مقرّبون وثيقون منه يحاربونه بـ «كشف المعلومات» في كتب.

نناقش الأمر من هذه الزاوية الأمريكية البحتة، لأن السياسة الخارجية ليست جزءاً من المفاضلة في ذهنية المواطن الأمريكي. إذا استثنينا فترة ترامب التي شهدت بعض القرارات والسياسات الدراماتيكية، ثمّة سياسة أمريكية لا تتغيّر مع تناوب الحزبين، وهي مع الرئيس الجديد جو بايدن، لن تتغيّر إلا على نحو طفيف، وربما تأخذ طابع الترميم الطفيف.

وفي المحصّلة، ينبغي على الدول والشعوب الأخرى أن تدرك أنها تتعامل مع أمريكا، وليس مع هذا الرئيس أو الحزب أو ذاك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات