«النهضة» من حرب المبادئ إلى صراع المواقع

دخلت الأزمة السياسية في تونس مرحلة حاسمة وحرجة، لعلّ أهمّ مظاهرها هو الضعف المتناهي الذي تبديه الدولة في تعاطيها مع المجتمع ومع الحراك الاحتجاجي المجتمعي، الذي لم تستطع منظومة الحكم التي تهيمن عليها حركة «النهضة» الإخوانية، أن تواجهه والسيطرة عليه، وهو ما زاد في منسوب انعدام الثّقة بين مؤسّسات الدولة والمجتمع.

وقد أضحى جليّا أنّ عمل الحكومة طغى عليه التردّد والخوف، فأمّا التردّد فهو راجع بالأساس إلى انعدام عامل الخبرة والمعرفة بتسيير الشّأن العام، وأمّا الخوف فمردّه الأساسي هو غياب حزام حزبي وسياسي فعليّ يسند عمل الحكومة، التي تكاد تكون عجزت بالكامل عن إيجاد الحلول المناسبة لحالة الكساد الاقتصادي الذي عمّقته جائحة «كورونا»، والذي انعكس بدوره على المناخ الاجتماعي، وبما قوّى حالة الاحتقان وحتّى الانفلات في البلاد.

حكومة نشأت في مناخ سياسي مأزوم سيطرت عليه التجاذبات والخلافات المعلنة والخفية بين رئاسة الجمهورية وحركة «النهضة» الإخوانية، وهو صراع تمخّض عن حكومة هجينة لا رابط سياسي وبرامجي يجمعها، ولا تمكّن معرفي يميّز جلّ أعضائها، وهي حكومة أشبه بالارخبيل الذي يفتقد إلى ما يوحّد جُزره، فكلّ عضو فيها «يغنّي على ليلاه» ووفق ولاءاته ومصلحته الخاصّة.

وبالطّبع فإنّ حركة «النهضة» التي تعيش الآن أزمة داخلية حادّة، تنظر بعين الرضى إلى حالة الضياع هذه لأنّها ترى فيها أرضية خصبة للمزيد من تصحير المشهد السياسي والحزبي الذي هو أصلاً يعاني من شلل وعجز في مواجهة انحرافات «النهضة» في السّلطة والمجتمع.

إنّ وضعية كهذه تبدو مريحة لـ«النهضة» لأنّها لا تمكّن أيّ طرف سياسي أو حزبي من استغلال أزمتها الداخلية وأخطائها المتكرّرة والخطيرة، رغم أن «الحزب الدستوري الحرّ» الذي ترأسه عبير موسي استطاع أن يحقّق بعض المكاسب في هذا الخصوص، لكنّ الاعتقاد يسود بأنّ حظوظه في أن يكون بديلاً عن «النهضة» في الحُكْمِ صعبة، لأنّه عجز إلى حدّ الآن، ولأسباب عدّة، عن بناء تحالفات سياسية مع أطراف حزبية أخرى.

إنّ هذا الوضع يستدعي بروز قوّة جذب وطنية جديدة، تستند إلى مخزون معرفي مشهود له، وكذلك إلى تمسّك جدّي بقيم ومكاسب دولة الاستقلال الوطنية، بعيداً عن أيّ فكر شعبوي وفوضوي، وموجّهة فقط إلى تحقيق طموحات التونسيين في الكرامة والحريّة وفِي غد أفضل.

إنّ الأزمة الحادّة التي تعيشها «النهضة» قد تمثل فرصة سانحة لعودة الوعي السياسي والمجتمعي الذي هو ضروري لأيّ عملية إنقاذ للبلاد والعباد، وهي أزمة سيكون من الصّعب على رئيسها راشد الغنّوشي احتواءها لأنّها أصبحت صراعاً لا لُبْسَ فيه على السّلطة، خصوصاً وأنّ نزيف الاستقالات من «النهصة» وصل إلى دائرتها الضيّقة والخاصّة.

فبعد استقالة رئيس ديوانه في الحزب زبير الشّهودي، وكذلك استقالة رجل التنظيم في الحزب عبد الحميد الجلاصي، جاء دور لطفي زيتون، وهو المستشار السياسي للغنّوشي كي يستقيل هو الآخر من كلّ هياكل «النهضة»، وكلّ هذه الاستقالات كانت على خلفية عدم الرضى عن سياسات ومواقف وتحالفات الغنوشي.

وتكمن أهمّية هذه الاستقالات وخطورتها على مستقبل الغنّوشي بكونها تأتي في الوقت الذي يتقوّى فيه معارضوه داخل هياكل الحزب، وخصوصاً مجلس الشورى. ولعلّه في هذا الخصوص، يجب أن يُنظر إلى استقالة لطفي زيتون بنوع من الاهتمام وهو الذي يُعتبر الأقرب إلى رئيس «النهضة».

القيادي النهضاوي المستقيل أدلى بتصريح بعد قرار استقالته أكّد فيه أن «النهضة» انحرفت عن المسار الصواب، وبأنّ استقالته كانت «ردّة فِعْلٍ على الصراع التنظيمي داخل الحركة»، مضيفاً بأنّه صراع «لا يهتمّ بمصالح التونسيين» ومشدّداً على أنّ «المشكل التنظيمي في الأحزاب العقائدية يتحوّل إلى تمترس وتمسّك بالمواقف الأيديولوجية، فتطغى على الخطاب الشّحنة الدينية، وبدل من تخليص الدين من التوظيف السياسي نُقحمه في لبّ المشكل التنظيمي».

إنّ «النهضة» التي من المفترض أن تنجز مؤتمرها العام قبل نهاية العام الحالي، انتقلت من حركة معارضة تدعي محاربة حيف وتجاوزات السّلطة، إلى مستميتة على هذه السّلطة، وتحوّل كوادرها من النضال من أجل المبادئ، إلى الحرب والاقتتال من أجل المواقع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات