هل عاد الإرهاب من جديد؟

عاد الجدل من جديد، وعاد معه الانقسام في الآراء في معظم حواراتنا ومناقشاتنا وحتى منشوراتنا، تعليقاً أو رفضاً أو استنكاراً على ما وصفه الكثيرون بأنه إساءة لديننا الإسلامي، أو ازدراء لنبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وتبع ذلك عدة جرائم إرهابية كانت ردة فعل على بعض التصريحات التي أدلى بها الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون حين وصف الإسلام بـ«المتأزم»، واستخدام أحد المدرسين الفرنسيين لرسوم مسيئة لنبينا قبل أن يتم قتله من قبل متطرّف، وتلى ذلك الاعتداء على كنيسة في فرنسا. والسؤال هنا: هل عاد الإرهاب من جديد أم أنه لم يذهب ليعود؟

أولاً، الإسلام ليس «متأزماً»، فخلال السنوات الماضية كان هناك عدة محاولات من قيادات إسلامية وعربية لتبني نهج التسامح والتعايش، والإمارات وقيادتها، كانت على رأس الدول التي نادت بالتسامح وخصصت له الكثير من المبادرات بهدف القضاء على الفكر المتطرف الذي يسيء لمبادئ ديننا وما جاء به رسولنا الكريم، ولكن في المقابل لم نرَ تحركات جادة من قبل القيادات غير المسلمة في تبني أو محاولة تبني هذه المبادرات، ولم نجد أي دولة غربية تغيّر من سياساتها تجاه المسلمين الذين يعيشون على أرضها، وتبدأ معهم مرحلة التعايش الفعلي أو أن تشركهم ليكونوا جزءاً من المجتمع، وهذه حقيقة علينا أن نقف عندها ولا نتجاهلها.

أن يصل التعبير عن الرفض للقتل وسفك الدماء، فهذا أمر مرفوض، ولا يوجد ما يبرره إلا أفكار مغلوطة يتبناها بعض من تتلمذوا على يد دعاة الرعب والإرهاب، ولهذا ربما يصف البعض بأن الإسلام «متأزم»، ولكن في الحقيقة العالم متأزم، ومستوى التعايش منخفض كثيراً، بل يوجد دعاة للتفرقة والعنصرية ومحاولات لإحياء التطرف بكافة أشكاله وأنواعه، وقد لاحظنا خلال السنوات الماضية صعود لليمين المتطرف في عدد من دول العالم، وهذا الأمر يعمق الشرخ بين الإسلام والأديان الأخرى، خصوصاً أن هناك تاريخاً من عدم التعايش بين مسلمي أوروبا ومواطني الدول التي يقطنوها، وهذا ما يؤجج الصراع بين الحين والآخر، وعلى مثل هذه الإشكاليات يُستدرج ضعاف النفوس ليكونوا متطرفين يرهبون المجتمعات بعملياتهم الوحشية.

ثانياً، الإرهاب لم يذهب ليعود. صحيح أننا لم نشهد عمليات إرهابية خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن الإرهاب كفكر ما زال موجوداً، وما زال البعض يمارسه من خلال حواراته وتعليقاته ومنشوراته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أي تغيير أو تحديث في البيئة الحاضنة للإرهاب سيتبعها عمليات إرهابية، فالإرهابيون موجودون بيننا، والمبررات موجودة، إذن فالعملية الإرهابية لا ينقصها إلا حدث أو قصة يستند عليها شخص ظلامي ليدهس أو يفجر أو يطعن.

إن أردنا السلام والتعايش فعلى الجميع أن يعمل معاً لتحقيق هذا الهدف، ولن ننجح إذا نادى طرف بالتسامح ولم يجد نفس المبادرة من الطرف الآخر، ولن ننجح ما دامت هناك أصوات تنادي بالكراهية وتدعو للعنف والمواجهة، ولن ننجح دون أن نضع حداً للكراهية، فحتى نعيش بسلام، علينا أن نتناسى ما حدث في الماضي وأن نفكر بكيفية التعايش في المستقبل.

إن أردنا أن نظهر الصورة الصحيحة للإسلام، فعلينا أن نتبنى أفكاره ومقاصده، فالإسلام في أساسه فكر ينادي بالتعايش وقبول الآخر، وعلينا أن نعمق هذا الفكر بأن ندعو غيرنا أن ينتهجوا نهجنا المتسامح، لا أن نعمّق الخلاف والاختلاف، وأيضاً على الأديان الأخرى أن تتعايش مع الإسلام لا أن تعمق فكرة الإسلاموفوبيا، فالإرهاب يمارسه قلة قليلة جداً مقارنة بالمتسامحين والمتعايشين مع الآخرين.

وفي النهاية، علينا أن نركز على فكرة رفضنا لأي عنف مهما كان المبرر، وأن الحوار القادم يجب أن يتشارك فيه الجميع، وندعو الأديان الأخرى إلى أن تنفتح أكثر على الإسلام والمسلمين، وأن تشركهم ليكونوا عناصر فاعلة في المجتمع، وأيضاً ندعو المجتمع العالمي لأن يضع قوانين تجرّم المساس والإساءة لرموز جميع الأديان، فحرية التعبير تقف عند التعدي على حرية الآخرين، فكيف وإن كانت حرية التعبير فيها إيذاء لنفوس الملايين، هنا يجب أن تشرّع كل دولة قوانينها الخاصة لمنع تكرار ما حدث من إساءة لنبينا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- أو أي نبي آخر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات