الإعلام الشعبوي

انتشر قبل أيام مقطع مصور لفتى من مدينة الزرقاء في الأردن، بعد أن تعرض لبتر يديه وفقء عينه، ومن قام بالتصوير هو الشخص الذي طلب له النجدة والإسعاف، ولكن قبل أن يقوم بمساعدته أخرج هاتفه المتحرك وقام بتصويره وسؤاله بعض الأسئلة، ليحصل على السبق الصحفي في قضية هزت الرأي العام وتناقلتها الكثير من وسائل الإعلام العربية والعالمية، فما الذي يحدث؟ هل أصبح تصوير مثل هذه الحوادث أمراً عادياً ومعتاداً؟ ما جعل مصور الحادثة يقوم بالتصوير دون أن يهتز له طرف عين أو أن تذرف عيناه دمعة، أو يهتز قلبه أو ترتعد فرائصه من هول المنظر، أو حتى أن تدب في جسده النخوة فيقوم بمساعدة الفتى بكل ما أوتي من قوة، بدلاً من التصوير ونشر الفيديو.

بين حين وآخر، تصلنا فيديوهات لجرائم أو حوادث تقشعر لها الأبدان أو تصلنا مشاجرات وحالات عنف تنافس في عنفها أفلام الأكشن، أو حتى يصلنا فيديوهات لكوارث وانفجارات كبيرة، كما وصلنا فيديوهات لتفجير بيروت وكيف أن الناس حملت هواتفها وبدأت في التصوير حتى وصلهم التفجير وأصابهم ما أصابهم، ومثل هذا الأمر يجعلنا ندرك أننا بتنا نخرج هواتفنا لنصور، أسرع من أن نخرجها لنطلب النجدة لشخص مصاب أو حتى نهمّ بشهامتنا فنقوم بمساعدته وإسعافه.

هذه الحالة تحتاج منا التعمّق في فهمها، فهل وجود كاميرا في جيب كل شخص منا غيّر من طريقة تفكيره وسلوكه، حتى أصبح الجميع يعتبر نفسه صحافياً في ميدان المعركة يلاحق النيران، ليصنع منها سبقاً صحافياً غير مبالٍ بالجنود الذين تسقط جثثهم وتتناثر من حوله، أم أصبح كل شخص منا مصوراً صحافياً يريد توثيق التاريخ، فيقوم بتصوير الدمار ليكون شاهداً على العصر؟! حالة غريبة غيرت الكثير من المفاهيم الإنسانية.

مما لا شك فيه أن البعض يقول إن نشر مثل هذه الحوادث يعطيها الزخم المجتمعي لتصل القضية لأعلى المستويات ويتم معالجة الأمر، لكن هؤلاء غاب عنهم نقطة مهمة جداً، أن التصوير والنشر في هذه الحالات يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون في الكثير من الدول، فمثل هذه الفيديوهات الصادمة تروّع المجتمع وتعود بالسلب على سُمعة شعب ودولة، ومن الأفضل إيجاد منصات خاصة بالشرطة وأجهزة الأمن لاستقبال مثل هذه الفيديوهات، بدلاً من نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وإحداث بلبلة في المجتمع.

حقيقة، أنا لا أنوي في مقالي هذا مناقشة ما إذا كان نشر مثل هذه الحوادث على مواقع التواصل الاجتماعي صحيح أم خاطئ، بل أريد التركيز على سرعة ردة فعلنا في إخراج الهاتف من جيبنا، وتصوير ما نراه أمامنا من حوادث وأحداث أو حتى لقطات جميلة ولحظات لا تنسى، وبدلاً من أن نتفاعل نحن مع ما يحدث أمامنا بتقديم المساعدة في الأولى أو نستمتع في الثانية، بل نقوم بتحويل الأمر لخبر نريد نشره وانتظار التعليقات والمشاهدات.

أن يتحول المجتمع بأكمله إلى صحافي ومراسل للأخبار مشكلة تستوجب إيجاد الحل، فمثل هذه الحالة غيّرت من طبائعنا وحرمتنا من أسعد اللحظات في حياتنا، وأصبحنا نرى كل شيء بحياتنا بعدسة كاميراتنا، ونعبر عن ما نراه أمامنا من خلال منشوراتنا وتعليقاتنا في الفضاء الإلكتروني مما بدل إنسانيتنا وحميتنا لمساعدة الآخرين من حولنا، وتغيرت طباعنا البشرية لتتحول لآلة تصور وتنشر دون أدنى مسؤولية أو إدراك لعواقب مثل هذه التصرفات على المجتمع من حولنا، ولذا علينا أن ندرك أن من حولنا في بعض الأحيان يحتاجون منا أن نمد لهم يد العون بردة فعل سريعة تفوق سرعة إخراج هواتفنا من جيوبنا وتصوير المشهد، وفي أحيان أخرى نحتاج لأن نتفاعل من الأحداث من حولنا بمشاعر من الحب والدفء والاستمتاع، وأن نطبع مثل هذه اللحظات في دفتر ذكرياتنا قبل أن ننقلها لذاكرة هواتفنا ومواقع التواصل الاجتماعي.

الإعلام الشعبي، وأقصد هنا أن يكون الإعلام بيد جميع الشعب خطر على المجتمعات، ويسلبها الكثير من الطمأنينة ويروّعها في الكثير من الحالات بالإضافة لخلقه لصورة نمطية سلبية عن هذا المجتمع، فحادثة كحادثة الزرقاء في الأردن وغيرها من الحوادث التي انتشرت خلال السنوات الماضية، أعطت للناس صورة مغلوطة عن المجتمع بشكل لا يليق به، والسبب بوجود أشخاص تركوا فتى بترت يداه، ينزف ويتألم وهم مشغولين بتصوير ونشر الحادثة، ومثل هذه القصة الكثير، فالواحد من هؤلاء لم يعد يرحم نفسه ليرحم غيره، فهل هناك أهول من توقّع سقوط طائرة ليقوم أكثر من واحد فيها بتصوير مثل هذه الواقعة، فما الذي حمل هؤلاء على فعل ذلك، هل هو ثقتهم بالنجاة أم عدم مبالاتهم بالوفاة.

بات الكثير من الناس حال مشاهدتهم شخصاً يهم بإلقاء نفسه من شاهق، فبدلاً من أن يسعوا إلى إنقاذه، أو أن يتسمروا في أماكنهم من هول الواقعة، وما ينجم عنها، ترى عدداً منهم يصور المشهد، بل ربما يستعجل الموقف داعياً هذا الذي يهم بالانتحار لإلقاء نفسه للفوز باللقطة، أو أن يدعو ربه لكي يتحقق مراده لكسب هذا المشهد بانتحار صاحبنا، لكي لا يندم على ضياع وقته الثمين ووقوفه على الفاضي، من هذا كله كان لا بد من تقنين وتجريم مثل هذه التصرفات، وليكون مطلباً أساسياً لإيجاد الحل الناجع للسيطرة عليه، وتقليل أعداد إعلاميي الحوادث والأحداث.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات