هل تصدأ الأشواق كسياج المقبرة القديم؟

يذهب الحب إلى المتحف، وربما يقيم فيه. وربما تتساقط الأشواق عن شجرة الشغف في خريف الانتظارات الطويلة، ولا تبقى إلا الذكريات تدفّئ الروح، وتنفخ في رمادها البارد.

تلك صورة مأساوية للحب. لكنها تنطوي على قدر وافر من الواقعية. أليس كذلك؟

أتحدث الآن عن العاشق المعاصر، في زمن سقوط اليوتوبيا الذي نسجها عن الحبّ العشاق العذريون الذين قذفوا المشاعر الحسية في جحيم التعفّف، ومارسوا ضد أنفسهم اضطهاداً قاسياً، وأضرموا بشهواتهم النيران.

ربما الشعراء وحدهم مِن هذه الطائفة الشقية، مَن فازوا بالقصائد المشبعة بالتراجيديا الإنسانية، لكنّهم خسروا الوصال، عندما بالغوا في الوقوف على الأطلال، فلا هم طالوا بلح الشام، ولا عنب اليمن، وهذا التشبيه الأخير معاصر نسبياً، ولم يدركه الشاعر العذري قيس بن الملوّح، الذي ينتسب إلى قوم إذا عشقوا ماتوا.

ومثل العذريين كان ثمة نفر من الزهّاد والمتصوفة ممن عدّوا الحب مكابدة وجدانية دونها ألم الفراق وشكوى البعد وطول السهر، وثمة من بينهم من ظنّ الحب إشراقاً نورانياً يتنزل من السماء، أو من خارج الفرد، وليس تجربة مباشرة واحتراقاً حطبه الأضلاع والشرايين والخفقات والعَبَرات.

يغني مطرب مصري عن «الحب الحقيقي». هل هناك، إذاً، حب مزيف (Fake Love) مثلاً؟ الحب بالضرورة حقيقي وصادق، وإلا فإنه لا يكون حباً. لكنّ السرديات المتوارثة منذ أن خفق أول قلب بالحب ظلت تحيط هذه التجربة الوجدانية بهالة أسهم النفخ في نارها في جعلها امتحاناً نفسياً عسيراً، وتجربة محفوفة بالمشقة والمخاطر. وعززت هذا الأمر تجاربُ عشاق ختموا بالدم سيرة الاحتراق الوجداني، ولعل أشهرهم، على المستوى الأدبي، روميو وجولييت اللذان حقن شكسبير قصتهما بكل ما أوتي من تراجيديا وألم وبراعة أدبية، كي يخلد حكايتهما.

سال حبر كثير في توصيف الحب وتأريخ أقاليمه وعواصفه ولوعاته. وذرف المطربون والمطربات (أم كلثوم المثال العربي المعاصر الأبرز) دموعاً ساخنات أطلقت آهات حارقة أسهمت في ترسيم صورة للحب باعتباره عذاباً شهياً، فيه مسرات خاطفة وأغلبه قهر وحرمان وانتظار طويل على جمر القلق والسهاد.

المفارقة أنّ ما فعلته أم كلثوم ينهل من إرث عربي يمتد إلى أكثر من ألفي عام من العذاب العاطفي. وكأنه بالألم وحده يحيا العشاق، فأية مازوخية هذه لا تتحقق لذتُها إلا بالعذاب، وأي طريق معبّد بالجمر على العشاق أن يمشوا فيه حفاة الأقدام، كي يقولوا إننا اكتوينا بالحب وذقنا لذة لهيبه، وانتسبنا لتاريخ الغرام، وكابدنا زلازله وصرنا بفضله حطاماً؟!

ورغم أنّ فريد الأطرش يعترف بأنّ «ساعة بقرب الحبيب أحلى أمل في الحياة»، إلا أنه لوّع جيلاً من العشاق العرب، وأطفأ قناديلهم ببكائياته وتشاؤمه الوجودي.

ألا يمكن أن يكون الحب محفزاً للفرح، باعثاً على التحدي والنجاح. أليس الحب يشعل قلب العاشقين بالطمأنينة والرضا. وهل يحب الإنسان ليشقى أم ليستمتع، وأي عطاء يمكن أن يقدمه عاشق أمضى عمره وهو يكفكف دموع قلبه، ويحاول ستر جسده الذي أبلاه الهوى، كما قال المتنبي:

«أَبلى الهوى أَسفاً يومَ النوى بدني/ وفرَّق الهجرُ بين الجفنِ والوسَنِ. روحٌ تَردَّدُ في مِثلِ الخِلالِ إِذا/ أَطارتِ الريحُ عنه الثوبَ لم يَبِنِ. كفى بجسمي نُحولاً أَنَّني رَجلٌ/ لَولا مخاطبَتي إِيّاكَ لَم تَرَني».

أصاب النحول جسد المتنبي، كما أصاب الشك وانعدام اليقين روح نزار قبّاني الذي رأى في الحب شعوراً مفتوحاً على الاستحالة والانقذاف إلى المجهول، وهذا ما عناه في قصيدته «إلى تلميذة»: «الحب ليس روايةً شرقيةً/ بختامها يتزوج الأبطال. لكنه الإبحار دون سفينةٍ/ وشعورنا أنّ الوصول محال. هو أن تظل على الأصابع رعشةٌ/ وعلى الشفاه المطبقات سؤال. (...) هو هذه الكفُّ التي تغتالنا/ ونقبّل الكفَّ التي تغتال».

ألم يعترف محمود درويش، وهو يرصد آهات الضحايا العاطفيين: «يا حُبّ.. لا هدف لنا إلا الهزيمة في حروبك.. فانتصر أنت انتصر.. واسمع مديحك من ضحاياك: انتصر.. سلمت يداك.. وَعُدْ إلينا خاسرين.. وسالماً».

عود على بدء: هل يترهّل الحب، ويبقى دخان براكينه. هل تصدأ الأشواق كسياج المقبرة القديم، وهل يهبّ الخريف على القلب، فتصفرّ جدائل الشغف. هل يتبدل الحب بتبدل الزمان والمكان والعمر. وهل من أحبّ مرة يستطيع أن يحبّ مثنى وثلاث ورباع، بدرجة الاحتراق ذاتها، أم ما الحب إلا للحبيب الأول. وهل حقاً أنّ الحب الأول تجربة مكتملة، أم براءة ساذجة في غمرة اكتشاف الذات والاكتواء باللظى؟

ولمن يُسرج الحنين، مع كل نبضة وخفقة: للحب الأول أم للحب الأفضل، وماذا عن الحب الذي يسكن بالوصال، ولماذا لم يُعوّل ابن عربي عليه؟

* أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية بدبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات