الوباء والتجربة الصينية

غداة الإطلالة المشؤومة لوباء «كوفيد 19»، أفرزت معظم الكيانات والأطر ذات الصلة بالشؤون الصحية على مستوى الدول والإقليم، ما يشبه غرف عمليات أو مجموعات وخلايا متخصصة، ترصد على مدار الساعة حركة الوباء، وتراقب معدلات انتشاره، وتعمل على تفسير ما يردها بشأنه من معلومات تفصيلية عبر خطوط بيانية ومصفوفات رقمية وخرائط جغرافية توضيحية.

وذلك قبل تبسيطها لغوياً ومهنياً وعرضها في موجزات على الملأ. وعادة ما تتضمن هذه الإصدارات بعض التوصيات والنصائح، التي يعتقد في أهميتها أو جدواها في محاصرة الوباء وتثبيط عنفوانه، أو هزيمته ودحره.

التقدير البالغ لهذه الجهود ودورها المحمود في مقاومة الوباء، لا يحول دون البوح بانحيازنا للاعتقاد بأن مداخلات منظمة الصحة العالمية، هي التي ينبغي أن تحظى بمكانة المرجعية الأكثر صدقية وموثوقية.. هذا على الأقل، لكونها الجهة المنوط بها، والقادرة على تكوين صورة متكاملة عن الحالة العالمية لهذا الوباء الطليق، بناء على محصلة البيانات الواردة إليها من مختلف الأنحاء.

ويرتبط بهذه المهمة ويعزز أداءها، أن المنظمة، بحكم طبيعتها العابرة للقارات، تظل أكثر تحرراً من الضغوط التي قد يخضع لها بعض الأطراف، وهم يدلون بالبيانات والحقائق الجهوية الخاصة بأوضاع الوباء عندهم، عملاً بمحاذير وضوابط أو مصالح معينة يرون مراعاتها.

مؤخراً، خفتت حدة التراشق والتلاوم بشأن المسؤولية عن تفشى الوباء، وباتت الأحاديث تدور بشكل فائض حول أي القوى الدولية كانت إجراءاتها أكثر نجاعة في مقاومته، وأيها سوف يسجل قصب السبق في إبداع اللقاحات الكفيلة بالوقاية منه أو معالجته والقضاء عليه.

والمفارقة هنا، أن الغضب الغربي بعامة، والأمريكي بخاصة، من موقف الصين، الذي استتبع افتراض أنها الدولة التي أخفت النشأة الأولى للوباء لديها، أخذ يخلي مكانه للإعجاب بتجربتها في مقاومته. ونحسب أن علة هذا التحول تكمن في أن الصين، التي يقطنها زهاء خُمس سكان الدنيا، أضحت الآن الأقل عالمياً في التعرض لتبعات الوباء لجهة أعداد الإصابات والوفيات.

فبلغة الأرقام الطازجة، تراوح هذه الأعداد هناك بين الآحاد والعشرات، بينما تبلغ في مناطق أخرى، لاسيما في الهند والبرازيل والولايات المتحدة وكندا ومعظم دول القارة الأوروبية، حدود الآلاف.

يزول الاستغراب في هذا الإطار، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السلطات الصينية، بكافة مستوياتها، المركزية والمحلية، لم تنشغل عموماً، ولا أخذت على محمل الجد، بالفكرة القائلة بإمكانية التعايش مع الوباء. لقد تم التعامل مع أي إصابة واحدة جديدة بكل الصرامة والجدية، التي يفترض الالتزام بها حين تعد الإصابات بالمئات والألوف. وهذا لعمرك هو عين ما دأبت منظمة الصحة العالمية على الدعوة إليه والتذكير به.

نود القول، بأن المسؤولين الصينيين كانوا، على ما تقول المعطيات، الأكثر التزاماً بتوصيات هذه المنظمة، التي بدت غير مقتنعة بمقولات الطمأنة المنسوبة إلى هذا المصدر أو ذاك..

من قبيل أن الوباء آيل للانحسار، وأنه لن تمر سحابة صيف 2020 حتى تكون حرارة الطقس قد حاصرته في معظم أنحاء العالم، وأنه لا تجب المبالغة في الإغلاقات حتى لا تتضرر الاقتصادات الدولية أكثر، وأن العالم بات قاب قوس أو أدنى من اللقاح الواقي من الوباء أو وصفة علاجه الناجع.

الذي يحدث بالفعل راهناً هو تيقن الجميع من صحة حدس وتوقعات المنظمة العالمية، وأحدثها «ضرورة التشدد في القواعد الاحترازية، ومنع الاجتماعات والتجمعات في الأماكن العامة والخاصة، والالتزام بالإغلاقات، وذلك على رجاء المساهمة في إنقاذ نحو 281 ألف نفس في 53 دولة أوروبية من الآن حتى نهاية الشتاء المقبل».

الشاهد أن مضمون هذا الإشعار ينسحب منطقياً على غير القارة الأوروبية في طول العالم وعرضه، وأن الصين لم تكن من قبل ولا هي راهناً، بحاجة إلى من ينبهها إليه، نظراً لالتزامها المستمر به. لذا، فإننا إزاء خبرة جديرة بالاحترام والاقتداء.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات