القانون للجميع

إساءة استعمال الحق

شرع القانون لكل أحد استعمال حقه استعمالاً مشروعاً وحصن ذلك الاستعمال المشروع من الضمان، فلا يترتب ضمان على الشخص بسبب فعله أو تركه متى كان ذلك جائزاً له شرعاً وقانوناً، فمن استعمل حقه استعمالاً مشروعاً فإنه لا يضمن ما ينشأ عن ذلك الاستعمال من ضرر، فمن حفر بئراً في ملكه الخاص فسقط فيه حيوان مملوك لغيره فلا يطلب منه الضمان والتعويض لأن الحفر في الملك جائز شرعاً، أما إن حفر البئر في الطريق العام فإنه يلزم بضمان الضرر حيث يعد معتدياً على حق العامة.

متى انحرف استعمال الحق عن مقصوده فإن ذلك يوجب الجزاء، وقد أصل الفقه الإسلامي لتلك القاعدة القانونية بعدد من المبادئ تصب كلها في ذات الاتجاه ومنها أنه لا ضرر ولا ضرار، والضرر يزال، والضرر لا يزال بمثله، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع، وقد ضرب الفقهاء أمثلة لتفسير تلكم المبادئ، فيجوز التسعير إن غالى الباعة في الأسعار، ويجوز هدم البيوت الملاصقة للحريق إذا خيف من امتداده وتجاوزه، كما أنه لو بنى مشترٍ الأرض أو غرس فيها غرساً ثم ظهر لها مستحق، فإن كانت قيمة البناء أكثر يحق حينها للمشتري أن يتملك الأرض بقيمتها ولو جبراً على صاحبها والعكس صحيح.

ومن الأمثلة اللطيفة التي ضربها الفقهاء لتقريب المعنى حالة ما إذا ابتلعت دجاجة مملوكة لشخص لؤلؤة ثمينة تعود لغيره، وحينها فإنه يحق لصاحب اللؤلؤة تملك الدجاجة بقيمتها كي يتمكن من ذبحها واستخراج لؤلؤته.

وقد وضع قانون المعاملات المدنية عدداً من الضوابط التي يسترشد بها القاضي ليخلص إلى كون الاستعمال للحق، استعمالاً غير مشروع وسنورد تلك الضوابط تباعاً بشيء من التفسير:

أول تلك الضوابط التي تؤدي إلى اعتبار استعمال الحق غير مشروع هو استعمال الحق بقصد الإضرار بالغير، والمعيار في ذلك هو توافر نية الإضرار ولو أفضى الاستعمال إلى تحصيل منفعة لصاحبه.

وثاني الضوابط هو أن تكون المصالح المراد تحقيقها من الاستعمال مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية أو القانون أو النظام أو الآداب. ورغم أن المعيار هنا هو معيار مادي، فإن النية في الفعل تدل أيضاً على عدم مشروعية الفعل وخلوه من المصلحة، ويتجلى ذلك في فصل الموظف إرضاءً لغرض شخصي بعيداً عن المصلحة العامة.

ثالث الضوابط متى كانت المصالح المرجوة غير متناسبة مع ما يصيب الآخرين من ضرر، فتحقيق مصلحة قليلة الأهمية مقارنة بما يصيب الغير من ضرر بسببها يعد مؤشراً إلى توافر نية الإضرار بالغير.

رابع الضوابط هو تجاوز الإنسان في استعمال حقه ما جرى عليه العرف والعادة بين الناس ومتى ثبت أن المرء تجاوز الحد الذي تعارف عليه الناس وصار عادة بينهم، فإن ذلك يعد إساءة لاستعمال الحق ويعد حينها استعمالاً غير مشروع.

من نافلة القول الإشارة إلى أن أقسام الحق هي الحق الشخصي والعيني والمعنوي، فالحق الشخصي هو رابطة قانونية بين دائن ومدين، وأما الحق العيني فهو سلطة مباشرة على شيء معين يعطيها القانون لشخص معين كحق الملكية والانتفاع ونحوهما، وأما الحقوق المعنوية فهي التي ترد على شيء غير مادي كحق المؤلف والعلامات التجارية ونحوها.

طباعة Email