تصنيف أمريكا الائتماني يقلق أسواق آسيا

عندما أفلس بنك «ليمان براذرز» الأمريكي في سبتمبر 2008 إبّان ذروة الأزمة العقارية العالمية الشهيرة، كانت أسواق آسيا هي الأكثر تضرراً على مستوى العالم من جَرّاء هذه الصدمة، إلا أنها استطاعت بشكلٍ أو بآخر أن تتجاوز الأضرار، رغم فداحتها الشديدة، وتعود مُجدّداً أقوى مما كانت.

واليوم تبدو أسواق القارة الصفراء مقبلة على أزمة جديدة، ربما تكون أسوأ كثيراً وأعنف من «صدمة ليمان». وللمرة الثانية، فإن الصدمة الجديدة ستأتي هذه المرة من بلاد العام سام أيضاً.

فالوضع الائتماني للولايات المتحدة الأمريكية بات الآن حرجاً على نحو غير مسبوق، بسبب السياسات الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب، مُضافاً إليه التداعيات الاقتصادية القاسية الناجمة عن تفشي جائحة «كوفيد 19». وعلاوةً على ذلك، جاءت تهديدات ترامب الأخيرة بشأن نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها في الثالث من الشهر المقبل لتطرح المزيد من علامات الاستفهام القلقة حول مستقبل أمريكا. فقد أعلن ترامب صراحة أنه لن يقبل نتائج الانتخابات، إلا إذا تمخّضت عن فوزه بفترة رئاسية ثانية

وأثارت تصريحاته مخاوف متصاعدة من اضطرابات مدنية واسعة النطاق في أمريكا قد تتطور إلى حرب أهلية إذا جاءت النتائج بمنافسه الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، ونفّذ هو تهديده ورفض الاعتراف بالنتائج، وهو الاحتمال الذي بات الآن هو الأرجح إلى حدّ بعيد.

ولأن انتعاش الأسواق الآسيوية ما زال حتى الآن مرتبطاً، وإلى حد بعيد أيضاً، باستقرار الأوضاع في أمريكا، فللمستثمرين الآسيويين كل الحق في الخوف من المشهد الأمريكي المرتبك الحالي، وما قد يجلبه عليهم من أزمات، إذا ما تحوّل إلى حقيقة يخشاها الآسيويون قبل الجميع، وهي انخفاض تصنيف أمريكا الائتماني.

ويكفي فقط الخوف من المزيد في التراجع في قيمة الدولار الذي يشهد بالفعل حالة من الوهن منذ فترة ليست بالقصيرة. لا زالت الورقة الأمريكية الخضراء حتى الآن هي محور ارتكاز النظام المالي العالمي، والتي يدور حولها كل شيء آخر.

الدولار هو مخزن القيمة، الذي أودعت فيه الدول الآسيوية تحديداً، أكثر من غيرها، تريليونات الدولارات من مدخراتها وثرواتها السيادية. وعليه، فإذا استمرت القلاقل في الداخل الأمريكي، وانعكس تأثيرها على التصنيف الائتماني لواشنطن وقيمة الدولار، فلنا أن نتصور حجم الضرر الذي سيطال آسيا.

ربما لا تجرؤ وكالات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى الثلاث، «فيتش»، «موديز» و«ستاندرد آند بورز»، على خفض تصنيفها الائتماني الحالي لواشنطن، وهو «AAA»، وفقاً لتصنيفات المؤسسات الثلاث.

ولا يُعزَى هذا الخوف بالطبع إلى خشية المؤسسات الثلاث من عقاب قد توقعه واشنطن عليها، وإنما الخوف منبعه الحرص على عدم الأسواق العالمية التي تعاني بالفعل من تداعيات «كوفيد 19». إن أي خفض للتصنيف الائتماني الأمريكي يعني باختصار تدميراً فورياً وشاملاً للأسواق العالمية، وانهيار للأسهم في كل مكان.

ولكن في ظل تراجع الاقتصاد الأمريكي بنسبة 32.9%، وارتفاع الدين الحكومي الأمريكي إلى مستوى قياسي تاريخي، وهو 22 تريليون دولار، واضطرابات داخلية متزايدة بسبب تجاوزات الشرطة الأمريكية ضد المواطنين السود، ورئيس يهدد برفض نتائج الانتخابات، إذا جاءت في غير صالحه، إن أحجمت مؤسسات التصنيف الثلاث عن خفض تصنيف واشنطن، ربما يُضطر كبار المصرفيين الداعمين لواشنطن نفسها، وغالبيتهم آسيويون أو يعملون في آسيا، أن يفعلوا ذلك طواعية. ويعني ذلك باختصار أن يدير المصرفيون الآسيويون ظهورهم للدولار. وإن حدث ذلك، فعلى الأسواق العالمية أن تترقب الأسوأ.

* كاتب متخصّص في الشؤون الآسيوية لدى مجلة «فوربس» الأمريكية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات