أردوغان وأوروبا.. والزواج المستحيل!

يوم الثلاثاء الماضي «6 أكتوبر»، أعلنت المفوضية الأوروبية أن الحكومة التركية تقوّض اقتصادها وتقلّص الديمقراطية وتدمّر المحاكم المستقلة، ما يجعل محاولة أنقرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أبعد من أي وقت مضى، بعد أن وصلت المحادثات في هذا الصدد إلى طريق مسدود.التقرير السنوي للمفوضية -التي تعتبر الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي- قال بوضوح:

«تركيا لم تعالج بشكل موثوق به مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن استمرار التطورات السلبية، في سيادة القانون والحقوق الأساسية والسلطة القضائية».ومن الواضح أن الشكاوى اليونانية والقبرصية بشأن الانتهاك التركي لمياهها الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط، لعبت دوراً مهماً في صدور هذا التقرير بشكله القوي.

حيث قال: «في حالة تجدد الإجراءات الأحادية، أو الاستفزازات التي تمثل خرقاً للقانون الدولي، فإن الاتحاد سوف يستخدم كل الأدوات والخيارات المتاحة».

بطبيعة الحال رفضت تركيا التقرير واعتبرته منحازاً، لكن من الواضح أن نظام أردوغان لا يريد أن ينظر في المرآة، ويكتشف الفارق في النظرة الأوروبية إليه خلال 15 سنة فقط.في عام 2005 بدأت تركيا بالتفاوض مع الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه. وقتها تعهدت أنقرة بإجراء إصلاحات اقتصادية وتجارية، ما عزز صورتها وجعلها شريكاً مهماً للاتحاد والعالم.

وللموضوعية فإن تركيا نفذت وقتها إصلاحات عدة، ما جعلها سوقاً اقتصادية ناشطة جذابة، وتمكّنت من تحقيق قفزات اقتصادية، جعلت الأتراك يعيدون انتخابها أكثر من مرة.لكن التغيّر الجوهري حدث بعد شتاء 2011، حينما قام ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وانحاز أردوغان كلياً ليس إلى الشعوب.

ولكن إلى جماعة «الإخوان» فقط.التقرير الأوروبي الأخير يطرح سؤالاً مهماً، هل كان أردوغان صادقاً هو وحزبه وجماعته بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أم أنه استخدم هذا الموضوع سلماً لينفذ خطته الفعلية، وهي تجريد المؤسسة العسكرية من سلطاتها، بدعم من أوروبا؟!أردوغان قبل تنفيذ خطته ذهب إلى الاتحاد الأوروبي وقال لهم: «ما الروشتة التي تنصحون بأن نطبّقها كي ننضم إليكم؟».

الأوروبيون قدموا له طلبات عديدة مثل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصاً حقوق الإنسان والتعددية وتقليص دور المؤسسة العسكرية.

حينما قدم أردوغان خطته للأوروبيين عام 2005، كانت تتضمن إخراج المؤسسة العسكرية من المشهد. هذا الأمر يرضي الأوروبيين بالطبع، الذين كانوا يتحدثون طوال الوقت عن دولة مدنية، لكن الأهم أنه يحقق لأردوغان وجماعته هدفاً جوهرياً، أي إزاحة الجيش، بصورة غير مباشرة، وتحت ستار تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية.

بدءا من 2005 بدأ أردوغان «قصقصة ريش» المؤسسة العسكرية، وأغرقها في العديد من القضايا والمشاكل والأزمات، بل وجّه العديد من تهم الخيانة والتمرد إلى كبار قادتها واحداً تلو الآخر، وعندما كان أي شخص أو جهة يشكون كان يقول:

«نحن ننفذ خطة الإصلاحات الشاملة، كي يمكننا الانضمام للاتحاد الأوروبي». استغل أردوغان الفرصة بذكاء شديد، وظل يتحدث عن العلمانية وإرث كمال أتاتورك طوال الوقت، حتى جاءت الفرصة عام 2011، ليسفر عن وجهه الحقيقي.

من الواضح أن علاقة تركيا وأوروبا كانت ولا تزال علاقة منفعة متبادلة بين الطرفين، خصوصاً فيما يتعلق بمواجهة روسيا، هي علاقة غير شرعية، ولا يمكن أن تتحول إلى علاقة مستقرة!

لكن للموضوعية، فإن أوروبا أيضاً لم تكن لتقبل عضوية تركيا داخلها، حتى قبل أن يكشف أردوغان وحزبه عن وجهه الحقيقي، في أكثر من مرة تحدث أكثر من مسؤول أوروبي عن رفض دمج تركيا المسلمة مع أوروبا المسيحية، وكان أكثرهم وضوحاً الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان الذي قال: «إنه يصعب تصور وجود دولة مسلمة كبرى بحجم تركيا في فضاء قارة مسيحية».

هل نلوم أردوغان وتركيا أم نلوم أوروبا؟!

الأوروبيون كانوا واضحين حينما وضعوا مجموعة من المعايير لضمّ أي دولة إلى الاتحاد، حتى لو كانت مسيحية، خصوصاً بلدان شرق أوروبا، والدليل أنهم رفضوا من الأساس مناقشة ضم «روسيا» وهي دولة نصفها أوروبي، ومسيحية بالكامل.

لكن صدامهم الأساسي مع أردوغان يتعلق بأنه تنكّر لكل القيم والمبادئ والشعارات التي رفعها طوال الفترة من عام ٢٠٠٢ حتى عام ٢٠١١، خصوصاً فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات عموماً، خصوصاً الصحافة.

لم يكن ممكناً للأوروبيين -رغم كل منهجهم البراغماتي- قبول أردوغان عضواً في الاتحاد الأوروبي، وهو الذي يهددهم ليل نهار بإغراقهم في بحور المهاجرين غير الشرعيين، ويدعم قوى التطرف في ليبيا وسوريا، ويدعم أذربيجان ضد أرمينيا.

الصدام بين الأوروبيين وغالبية دول المنطقة العربية مع أردوغان بدأ منذ فترة ومرشح للاستمرار إلى أن يخرج الرئيس التركي من المشهد السياسي، أو يغير سياسته تماماً.

* رئيس تحرير صحيفة «الشروق» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات