أزمة «كورونا» صحية.. حلها سياسي بالضرورة

إنّ مصير الأمم والشّعوب مرتبط أساساً بأداء مجتمعاتها ودولها، وهي باقية ما دامت تتغذّى من العمل المجدي الذي من شأنه توسيع دائرة الخير حول الوطن والمواطن، ولكنّ هذه الدول والمجتمعات سرعان ما تزول إنْ هي فقدت نواميس العمل المجدي، وانحرفت بقيمها وأخلاقها وتغلّب فيها الطّالح على الصّالح، وطغت فيها البذاءة وانتصر فيها الجهل على المعرفة والذكاء.وإنّ حركة التاريخ هذه لم تستثنِ أيّ مجتمع أو دولة، وتبقى أفضل الدول والمجتمعات هي تلك التي امتلكت من خلال زادها وموروثها الأخلاقي والمعرفي والعملي، ومنسوب الذكاء الكامن فيها قدرة على التأقلم والاستمرار، وهي من الميزات النادرة التي لا تتوفّر عليها كلّ المجتمعات والحضارات، لأنّه لو كان الأمر كذلك لدامت الحضارات القديمة.

ويكتسب مخزون المناعة المتوفّر لدى المجتمعات والشعوب أهمّيته في زمن الأزمات أساساً، فأما أنها تنهل من معين ما خزّنته من معارف وذكاء وأخلاق أو هي إلى زوال محتوم.

ومن المهمّ أنّ تكون هذه المجتمعات والدول والحضارات قد تمكّنت على مدى تاريخها من إنتاج وإنجاب شريحة من المسؤولين قادرة على حراسة نظام مناعتها المجتمعي، فما يضمن ديمومة واستمرار دولة دون أخرى، هو قدرتها على تطوير نظام حماية الإرث المناعي، وتحصينه ضدّ السّطو والانحراف والانحلال الأخلاقي والتصحّر المعرفي.

ومناسبة هذا الحديث هي ما تعيشه المجتمعات عموماً من تفكّك بمناسبة أكبر الأزمات الصحّية تأثيراً ودماراً على اقتصاديات الدول، وعلى تماسك مجتمعاتها، ونضرب لذلك تونس مثالاً.

جاءت جائحة كورونا لتكشف حجم الكوارث التي أصابت المجتمع التونسي في مقتل، إذ وقف التونسي على حقائق مذهلة عصفت بكلّ ما كان يعتبره ثوابت ومكاسب ركّزتها دولة الاستقلال، ومن ذلك منظومة صحّية سابقة عصرها ومتفرّدة في محيطها الجغرافي والحضاري.

الكلّ في تونس عاين بوضوح في بداية استقلالها مخاض منظومة صحّية، استطاعت الدولة من خلالها تأمين درجة عليا من المناعة للفرد والمجتمع التونسيين، وقد كان هذا المخاض الناجح وليد إرادة وطنية في بناء دولة مستقلّة حديثة، تؤمّن أساسيات الحياة الكريمة لمواطنيها، وهي إرادة قائمة على فلسفة بناء الاقتصاد والمجتمع على قيمة الفرد الإنسان.

ونحسب أنّ هذا الاختيار السياسي الوطني أملته محدودية إمكانيات الدولة ومواردها، وهو خيار دفع شريحة المسؤولين الوطنيين بزعامة الحبيب بورقيبة وبإسناد كامل من اتّحاد العمّال التونسي إلى المراهنة على الإنسان التونسي كأساس في الفكر الوطني من أجل تحقيق الاستقلال، ثمّ الدخول في مرحلة كان يسميها الزعيم بورقيبة بـ«الجهاد الأكبر» ضدّ التخلّف والفقر ومن أجل بناء دولة وطنية حديثة يطيب فيها العيش.

وبالطّبع لم يكن هذا الخيار الوطني ليُرضي أنصار التيّارات المعادية للفكر الوطني، وبالخصوص جماعات «الإسلام السياسي» بدءاً بحركة «الإخوان» الدولية، ووصولاً إلى كلّ مشتقّاتها وكلّ ما جاورها من أفكار وبرامج متطرّفة.

إنّ خيار هذه الجماعات كان واضحاً منذ البداية، وهو إعدام ونسف كلّ نفس وبرنامج وطني، ومحاولة التأسيس لمجتمع تراه هذه الأطياف المسقطة على المجتمع التونسي جديداً، ونراه يرتدّ عن مكاسب تونس الوطنية.

هذه الجماعات انطلقت -ومنذ بداية تمكّنها من السلطة في 2011- في ضرب منظومة الصحّة ومنظومة التعليم والحرّيات الأساسية، خصوصاً تلك المتعلّقة بمكاسب المرأة التونسية، وإنّ جائحة «كورونا» لم تفعل شيئاً، سوى أنّها أزالت الغشاوة عن أبصار من كان يعتقد الخير في مثل هذه الجماعات.

ولا يذهبنّ الظنّ بأنّ النجاحات النسبية لتونس خلال الموجة الأولى من انتشار المرض راجعة إلى تخطيط ورؤية لأصحاب الحُكْمِ الحاليين، قدر ما هو استغلال فاحش لمّا تبقّى من منظومة صحّية، ومن سلوكيات إدارية وطنية لا تزال تصرّ على المحافظة على الدولة والمجتمع التونسيين.

فقد جاءت الموجة الثانية من الجائحة وهي الأخطر لتكشف زيف البرامج، وسوء نيّة الحكّام الجدد تجاه البلاد والعباد، بشكل يُخشى معه من السيناريوهات الأسوأ.

إنّ المرض عامّ والجائحة تكتسح المكان وجماعات الإسلام السياسي المتحكّمة بالفعل في ناصية الحُكْمِ، أبانت عن عجز سياسي وعملي، فضلاً عن كونها تبيّت الكثير من الشرّ لتونس، وهذه قناعة بدأت تنتشر بقوّة.

إنّ أزمة تونس هي إذن صحّية واقتصادية، ولكنّ جوهر حلّها لن يكون في غير مجال السياسة، ولن يكون مطلقاً دون الحسم النهائي في أيديولوجيات التخريب والهدم، والحلّ هو أوّلاً وأخيراً في الرّبط مجدّداً مع رواد الفكر الوطني وبرامج الإصلاح الوطني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات