شرفُ الكلمة ومجدُ الوطن

إضاءةٌ لتدوينة

صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله

بنبرةٍ لا تخلو من العتاب والتوجيه، وبإحساس القائد المسؤول كتب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، تدوينةً أخلاقية ثمينة على حسابه في إنستغرام قال فيها: «علّمتني الحياةُ أهميةَ الكلمة.. شرفُ الرجل في كلمته.. دينُ الإنسان في كلمة.. بداية الخَلق كانت بكلمة.. أبواب السماء تُفتح بكلمات.. أقفالُ القلوب تُكسر بكلمات.. العقولُ ترقى بالكلمة الجميلة.. النفوسُ والهِمَم تُشحذُ بكلمةٍ صادقة.. كلماتُنا تُمثّلُ أخلاقنا وقِيَمَنا ومروءتنا.. كلماتنا تُمثّل أوطاننا.. لنُشرّفْ أوطانَنا».

بهذا الإيقاع الموسيقيّ المتصاعد الذي يُشبه القصيدة، تمّ بناء هذه التدوينة البديعة، حيث جاءت على شكل مادة دستورية شديدة التكثيف والدلالة، تولى صاحب السموّ شرح مغزاها الذي لخّصه في قوله:

«علمتني الحياة أهمية الكلمة» لتندفع التدوينة بعد ذلك في الحديث عن تجليات شرف الكلمة وأهميتها الفائقة في بناء الحس الأخلاقي للإنسان على مستويات الفرد والجماعة، وحين يقول صاحب السموّ «علّمتني» فهو يريد أن يقول للمُخاطَب: إنني أكلمك من وَحْيِ الخبرة والبصيرة، وأعطيك ثمرة العمر الناضجة فاستمِعْ جيداً، فقد تمرّس صاحب السموّ بجميع مسارات الحياة، واختبر حلاواتها ومراراتها، واقتنص دروسها وعِبَرها، وجلس بين يدي الشيوخ الكبار، وأصغى بقلبه وعقله إلى الحكمة الخالدة التي يختزنها الإنسان العاقل المُتبصّر، فلم يجد أشرف من الكلمة دليلاً إلى تحقيق الذات الإنسانية واكتمالها الأخلاقي.

«شرفُ الرجل في كلمته»: والشرف في لغة العرب هو المكان العالي المرتفع الذي يُشرفُ منه الإنسان على ما دونه من الأشياء، والمراد: أنّ منزلة الإنسان -رجلاً كان أو امرأةً- نابعة من التزامه بصدق كلمته ومصداقيتها، وإنما ذكر صاحب السموّ الرجل ههنا على أسلوب التغليب الذي هو أحد أجمل أساليب البلاغة العربية.

وإلا فإن المعروف من سيرة صاحب السموّ احترامه لكل شريف النفس رجلاً كان أو امرأة، وكم من النساء مَنْ تحملُ مِن كرم الأخلاق ما تتفوق به على الرجال، وما أعمق دلالة حرف الجر «في» الدال على الظرفية في هذا السياق، فكأنّ شرف الرجل قد تداخل وامتزج بكلمته حتى لا يكاد ينفصل عنها بأي حالٍ من الأحوال.

«دينُ الإنسان في كلمة» ودينُ الإنسان هو أشرف خياراته، وبكلمةٍ يدخل فيه وبكلمة يخرج منه، وقد ضرب الله تعالى مثلاً لكلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها، وضرب مثلاً للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة التي اجْتُثّت من فوق الأرض فما لها من قرار، فهل بعد هذا التشبيه من دلالة على خطر الكلمة وأهميتها، وكونها مفتاحاً لكل خير، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال:

«إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظنّ أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخط الله ما كان يظنّ أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه»، رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.

«بداية الخلق كانت بكلمة» والمقصود بالخلق هنا خلق الكون كله بما فيه من عوالم الملك والملكوت، ويا لهول هذا المشهد حين يتذكر الإنسان تلك اللحظة الخاطفة التي انبعثت فيها الحياة في هذا الوجود، ولقد احتار العقل الإنساني في تصور هذا المشهد الرهيب لخلق هذا الكون الفسيح الممتد المشتمل على مئات المليارات من المجرات والكائنات التي تتفاوت في حجمها من الذرة إلى المجرّة.

لكن ذلك كله كان بكلمة واحدة من الخلاق العليم {إنما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقول له كُنْ فيكون} (النحل: 40)، فسبحان الملك الجليل الذي جعل كل هذه الروعة بكلمة واحدة تكون بها بداية هذا الخلق العجيب ونهايته!

«أبواب السماء تُفتح بكلمات» وكيف لا يكون ذلك كذلك وأبواب السماء تنتظر الكلمة الطيبة وترفع العمل الصالح مصداقاً لقوله تعالى: {إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر: 10)، فهل بعد هذا الجمال للكلمة من جمال؟

وبالمقابل فإن أصحاب كلمة الكفر الخبيثة لا تُفتّح لهم أبواب السماء بسبب شناعة معتقدهم وكلمتهم البغيضة عند الله تعالى {إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يَلِجَ الجمل في سَمّ الخِياط وكذلك نجزي المجرمين} (الأعراف: 40)، فيا خسارة الإنسان الذي لا يُلقي بالاً لكلمته التي يتوقف عليها مصيره في الدنيا والآخرة.

«أقفالُ القلوب تُكسر بكلمات» فكم من ضغينة يشتعل منها القلب تم إطفاؤها بكلمة طيبة، وكم من المشاعر السلبية تمّ سحبها من حنايا الضلوع بسبب كلمة لطيفة عبّر عنها القرآن بقوله: {التي هي أحسن}، فأرشدنا سبحانه إلى أنّ حزازات القلوب لا تُستخرج بأفضل من الكلمة الطيبة، فقال سبحانه:

{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم} (فصلت: 34)، وما أروع ما عبّر به صاحب السموّ عن حالة القلب حين وصف ما يعلوه من مشاعر السلب بالأقفال مستلهماً قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد: 24).

«العقول ترقى بالكلمة الجميلة»؛ لأنّ الكلمة الجميلة هي أرقى مظاهر التعبير عن الاحترام، فإذا انتشرت ثقافة الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع ارتقت معها ملكاتهم العقلية والأخلاقية، ونحن نلاحظ بالتجربة أن الأمم المتحضرة والشعوب الراقية تتمتع بذوقٍ لطيف مرهفٍ في الخطاب، على العكس من الأمم البدائية فإنها متوحشة اللغة، خشنة الذوق، بليدة العقل.

فكلما ارتقى المستوى العقلي للأمم كانت اللغة الشائعة بينهم مناسبة لهذا المستوى، وقد حرص الإسلام جداً على تنمية الملكات الأخلاقية والعقلية من خلال اختيار الكلمة الطيبة، والتي عبّر عنها بلفظ الخير، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، أخرجه البخاري ومسلم.

«النفوس والهِمَم تُشحذ بكلمة صادقة»، وكم من عقبة كؤود لم يتجاوزها الإنسان إلا بكلمة صادقة تخرج على سبيل التشجيع ورفع المعنويات وشحذ العزيمة، فتنفعل الروح الإنسانية بالكلمة الطيبة، ولذلك إذا رأيت إدارة ناجحة متقدمة فاعلم أنّ هناك معجماً إيجابياً يتداوله القائمون على هذا العمل؛ لأن الإنسان كما يقولون تصنعه الكلمات، وكم جاء في القرآن الكريم من كلمات زاهرات تشحذ الهمم إلى نيل أعلى الدرجات من مثل قوله تعالى:

{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} (آل عمران: 133)، وهل انطلق فرسان جزيرة العرب لإضاءة العالم وحمل نور الإسلام إلا بعد أن توقّدت عزائمهم بمثل هذه الكلمات الطيبات التي تبعث الإحساس العميق بالمجد وروعة الإنجاز.

«كلماتنا تُمثل أخلاقنا وقيمنا ومروءتنا»، وهذا هو جوهر التدوينة ومغزاها الأكبر، أن يكون الإنسان مسؤولاً عن كلماته؛ لأنها هي المِرآة التي تعكس النموذج الأخلاقي ومنظومة القيم وملامح الشرف والمروءة التي يتميز بها إنسان هذه البلاد، فيجب أن يكون كل شيء محسوباً ومدروساً، فكلماتنا ليست ملكاً لنا إلا بمقدار دلالتها على أصالتنا وجوهر أخلاقنا.

«كلماتنا تُمثّلُ أوطاننا.. لنُشرّف أوطاننا»، وفي هذه الخاتمة الرائعة وخزة أخلاقية لكثير من المظاهر السلبية التي انتشرت بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لا يُراعي بعض الكُتّاب صورة الوطن حين يكتب أو يتكلم، وربما أساء إلى وطنه من خلال الإساءة إلى شقيق أو صديق، فكأن صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد قد مهّد بكل ما سبق ليقول هذه الكلمة التي لا تخلو من العتاب بسبب هذه الظاهرة التي يشكو منها كثير من البلدان، وربما أدى عدم مراعاتها إلى تعكير أجواء الإخاء بين الشعوب والدول، فجاء هذا الأمر الجازم بتشريف الوطن من خلال سلوكنا الأخلاقي المتحضر ليختم هذه التدوينة البديعة التي تشبه مادة الدستور في كثافتها وعمق دلالتها وأصالتها الأخلاقية الرفيعة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات