راشد بن سعيد.. ذلك النجمُ الذي لا يغيب

مَنْ أراد أن يعرفَ من هو راشد بن سعيد، فيجب عليه أن يعرف أوّلاً مَنْ هو سعيد بن مكتوم، ذلك الشيخُ الوضّاءُ الجليلُ، الذي أنجب راشداً، وسكب في قلبه كل معاني النبل والفروسية والخُلق الحميد، ومَنْ أراد أن يعرف هذا الشيخ الجليل، فما عليه إلا أن يتذوّق بقلبه وروحه، تلك الكلمات الزاهرات، التي كتبها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، في سيرته البديعة (قصّتي: 50 قصة في خمسين عاماً)، حيث افتتح ذلك الكتاب المَهيب بالقصة الأولى (من هناك بدأنا وهنا وصلنا)، وربط ربطاً عجيباً بين لحظات التأسيس الأولى للإمارة الناهضة، وبين واحدة من أروع لحظات الإنجاز للدولة، حين أطلق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد مشروع دولة الإمارات لدراسة الفضاء الخارجي، والدخول في هذا المضمار الصعب، وانثالت عليه الذكريات في تلك اللحظة الرائعة، لتستدعي الذاكرة بيت جده العتيق العريق الأنيق في الشندغة، وليقصّ علينا سموّه ملامح ذلك الجدّ الصالح، الذي وصفه بقوله: «نعم، تذكرتُ جدّي الشيخ سعيد، بلحيته البيضاء، ووجهه المتلألئ نوراً»، ليقتنص بعد ذلك أروع صفاته الأخلاقية، التي كانت هي حجر الأساس الرشيد لحُكّام دبيّ، وبنبرة الفخر، يذكر صاحب السموّ الشيخ محمد، أنّ جدّه الشيخ سعيد، قد شارك بصناعة هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الوطن، وأنه وسّع آفاق التجارة، وأدخل الكهرباء للإمارة الناهضة، وفتح الأبواب للجميع، لكنّ نبرة الفخر تزداد قوّة وعُلوّاً، حين يذكر الجمال الأخلاقي لهذا المؤسس الكبير، فيقول: «غير أنّ أعظم إنجازاته، كانت سيرته وعلاقته مع شعبه، كان يُحبهم ويحبونه، ويَروون عنه أنه كان يقوم قبل صلاة الفجر، يذهب إلى بئرٍ بعيدةٍ، يملأ دلواً كبيراً بالماء، ويأتي به للمسجد، ليتوضّأ المصلون لصلاة الفجر».

وبإحساس لا يخلو من الفقد والحسرة، يختم صاحب السموّ الشيخ محمد هذه الفقرة، بقوله: «أيّ إنسانٍ كنتَ يا جدي! أيّ قوّة وأي طيبة ورحمة!».

تحت عين هذا الشيخ الجليل، نشأ الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم آل مكتوم، وفي هذه السماء الصافية، لمع نجمُه الوهّاج، فاستقى من أبيه مكارم الأخلاق، وصفاء الروح، وشجاعة القلب، وحكمة التصرف، مع ما منحه الله تعالى من ملامح الهيبة، التي تتجلى في قامته الفارعة، وبنيته الممشوقة، ونظراته الواثقة، وقدرته العجيبة على مواصلة العمل ومتابعته، وبثّ روح العزيمة في جميع مَنْ يتشرف بالعمل معه، رحمه الله.

إنّ من عجيب ما وقع في هذه السيرة الرائعة، لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أن إيقاعها التاريخي يسير مع الشخصيات المؤسسة والبانية للوطن، فإذا كانت القصة الأولى، إضاءةً لشخصية الجدّ المؤسس، فإنّ القصة الثانية، كانت تتحدث عن أخلاق الوالد السعيد، راشد بن سعيد، من خلال مقارنة مدروسة بين سياسته الراشدة المتواضعة، وبين سياسة شاه إيران، الذي كان يرتقي عرشه كالطاووس، وكيف أنّه كان يشاهد والده يبدأ يومه في الصباح الباكر، بجولة صباحية مع الناس، ومتابعة المشاريع، واستقبال عامة الناس في مجلس مفتوح، مع الاحتفاظ بمكتب متواضع يُطلّ على رصيف المرفأ، لمشاهدة النشاط في الخارج، مؤكداً على أنه لا يمكن أن يتخيّل أبداً جلوس والده الكريم على عرش عالٍ، وقد وضع التاج المرصّع على جبينه المتواضع لله تعالى، ليقول لنا بكل شفافية ووضوح: كان والدي إنساناً قبل كل شيء، وهو أقرب للفطرة والبساطة، وأقرب للناس، ليختم هذا المشهد بقوله: «نعم: السرّ في القرب من الناس، هذا هو أكبر درس».

إنّ هذه الإضاءة الخاطفة لشخصية الشيخ راشد، كانت تمهيداً لحديث طويلٍ مُفْعَمٍ بالتفاصيل، عن حجم الحضور القوي الفاعل للشيخ راشد في روح وقلب وارثِ مَجده وسيفه، صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، هذا الفارسُ المشبوبُ بنار العزيمة، والذي يحمل قلب راشد ونظراته النافذة، يقول بصوتٍ جهير: «راشد بن سعيد معلمي الأول... وأبي، والخيل ودبيّ هي ذكرياتي الأولى عن طفولتي، أبي والخيل ودبيّ، هي ذاكرتي التي ستبقى معي حتى النهاية».

وتوضيحاً لهذه الثلاثية البديعة، يقول صاحب السموّ الشيخ محمد: «الخيل تجمع العزة والأنفة والرقة والقوة في نفس الوقت، وكذلك أبي، وكذلك دبيّ»، وعلى يدي هذا المعلم الأول، تعلّم سموّه جميع ما يتعلق بالحياة البدوية، تحت سماء الصحراء الصافية، ليظل راشد بن سعيد، المُلهم الأول لفارس دبيّ وعاشقها الأكبر، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي ستبلغ معه هذه المدينة أفق العالمية، تنفيذاً للرؤى القديمة، والأحلام الكبيرة التي غرسها في قلبه ذلكم الشيخ المَهيب الصبور.

لا شكّ أن الناس، لا سيّما الأجيال اللاحقة، يعرفون الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، بإنجازاته الماثلة على الأرض، أو التي يتكلم عنها الرجال الذين تشرفوا بالعمل معه، فمع الشيخ راشد، تم التخطيط لأن تكون دبيّ هي الوجهة العالمية لحركة التجارة العالمية، وأن تحتلّ هذه المدينة النشيطة، مركزاً حيوياً، يجعل منها رقماً صعباً، ومحطّة يجب النزول فيها، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير الجديد، لكنّ كل إنجاز لدبيّ، حين تتعرف إليه في سيرة نجله الشيخ محمد، تتعرف إليه بتفاصيله الروحية والإنسانية، وكيف صبر هذا الشيخ وصابر ورابط، حتى وصل إلى أهدافه، فهناك قصة دبي الحقيقية، وهناك ينقل لنا بوراشد، لحظات الصفاء البديعة بعد كل إنجاز، ويرسم بريشة الفنان، ملامح الوجه وقسمات الشخصية، وهي تواجه الواقع بروح التحدي، حين تعترض الصعوبات طريق الإنجاز، لذلك، فإنني أدعو الأجيال أن تستلهم سيرة الراحل الكبير، من خلال ما دبّجته يراعة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، ليرَوْا كيف هي قصة الوطن، ولتكون الأحداث ماثلةً أمامهم، كما حصلت بالتمام والكمال، وليتذوقوا المغزى الأخلاقي لشخصية هذا الرجل الكبير، الذي فتح نافذة القلب على الأحلام الكبيرة، وسعى في سبيل تحقيقها، ووضع الأسس التي يجب أن تسير عليها الإمارة لضمان التفوق والتقدم والازدهار.

لن أُضيف جديداً، إذا ذكرتُ أو سردتُ ما ذكره كثير من السادة الكُتّاب، الذين أسهموا بنبلٍ وأريحية، في الذكرى الثلاثين لوفاة الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، فهذا كله موثّق في الأرشيف، وماثلٌ للعيان، لكنني آثرتُ الحديث عن روح راشد الخالدة، التي تُطلّ علينا من فوق الغيوم، وتبتسم وهي تنظر إلى الأبناء وهم يحتضنون مجد دبيّ، ويرفعون لواء الإعمار والإنجاز، ويحافظون على إحياء ذكرى مغادرته لهذه الدار الفانية، تعبيراً عن الوفاء العميق للرجل الذي نذر حياته لخدمة شعبه، وترك وراءه إرثاً لا يزداد على مرور الأيام إلا توهّجاً والتماعاً.

قبل ثلاثين عاماً، ترجّل راشدٌ عن صهوة جواده، ولوّح بيديه للجموع التي أحبته، وبأخلاق الفرسان الكبار، وبمنتهى السكينة والسلام، غادر هذه الدار، إلى دار المغفرة والسلام. فعلى روحه الطيبة الرَّوْحُ والريحانُ، وأزكى السلام.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات