صراعنا بين الماضي والمستقبل

بين الماضي والمستقبل صراعات تدور حولها الكثير من الملفات في حياتنا بمختلف أوجهها ووجهاتها، بين الماضي والمستقبل تتصارع القوى السياسية العالمية، وتهدد مكانة دول بأكملها.

وهو ذاته الصراع الذي يهدد استقرار عائلة صغيرة، بين الماضي والمستقبل تحتكم حياتنا ونحن وسط هذا الصراع نعيش حاضرنا بمزيد من الأسى والحسرة والألم، وأحياناً تصل للدمار والتشرّد، فهل فعلاً جميع صراعاتنا مرتبطة بالماضي والمستقبل، وأين هو حاضرنا، وأين هي كلمته في هذا الصراع؟!

دول كثيرة في هذا العالم تريد استرجاع ماضيها، تريد أن تعيد أمجادها التاريخية أو تريد أن تنتقم من ماضٍ ما زال يلاحقها، ودول أخرى تتصارع على امتلاك المستقبل، تتقاتل فيما بينها، من يكسب معارك المستقبل، ومن الذي سيقود هذا العالم في قادم الأيام.

وتتلخص الحكاية في صراع على الماضي، أو صراع على المستقبل، وهو ما يجعل حياة الكثيرين حول العالم تواجه مصير التهديد المستمر بالتشرد والقتل والإبادة، فقط لأن أجدادهم قاموا بفعل معين في الماضي ضد أجداد آخرين يحاولون الانتقام لهم واسترجاع مكانتهم وأمجادهم، وفي الجهة الأخرى هناك من يطورون أنفسهم ليكون لهم مكانة في المستقبل، يضعون أعظم اختراعاتهم رهن كسب معركة حروب المستقبل، وأين هو الحاضر؛ للأسف مفقود بين صراع الماضي والمستقبل.

الحكاية لا تتوقف على الدول فقط، إنما عائلات وأشخاص تربط مصيرها بذكريات الماضي ومآسيه وعثراته وزلاته، ومستعدة لأن تنسف حاضرها من أجل غلطة حصلت في الماضي، ويعيشون حياتهم ضمن دائرة صغيرة تذكّرهم بهذا الماضي، هؤلاء ربما يكونون أنا وأنت.

فالكثير منا دائماً ما ينتقد أوضاع أسرته وأهل بيته وإرجاعها لماضيه معهم في أبسط أمورهم وأعقدها، ويجعل حياته مرتبطة بسنوات العمر التي مضت دون أن يفكر في أن يعيش حاضره ويحاول إصلاح الأمر ليعيش مستقبله.

وآخرون على الجهة المقابلة يفكرون بالمستقبل حتى ينسوا حاضرهم، يفكرون ملياً كيف سيعيشون المستقبل قبل أن يفكروا كيف يعيشون يومهم، يعملون ليلاً ونهاراً حتى تضيع لحظات العمر ويجدوا أنفسهم أمام آخر قطار في هذه الحياة إن وجدوه أصلاً، فربّما يفيقون من سباتهم ويجدون أن كل شيء قد انتهى بلا رجعة.

صراع الماضي والمستقبل أصبح سجناً كبيراً تدور فيه حياتنا من أصغر صغير بيننا حتى أكبر كبير، فقدنا الإحساس باللحظة التي بين أيدينا، فقدنا كيف نعيش حاضرنا، ونستغل ما بين أيدينا من مقومات، فقط لأننا فكرنا بالماضي أو بالمستقبل، في حين أننا لا نملك الماضي ولا نستطيع إصلاحه أو استرجاعه أو حتى تغييره، ولا نمتلك المستقبل مهما خططنا له وأعددنا من أجله.

فالأحداث تتغير وتغيّر من مجرانا مهما حاولنا، ولا أقصد هنا أن نترك حياتنا للرياح تسيّرها كيفما تشاء، لكن يجب أن نضع حداً لهذا الصراع، ونعطي كل وقت حقه، وأن نستثمر ما في أيدينا من أمور ستجعلنا سعداء وتخرجنا من هذا السجن لنعيش حياتنا بكل تفاصيلها وتجاربها وأحداثها.

حتى الدول والأمم والأعراق والديانات التي تتصارع على الماضي، وتخطّط لكسب معركة المستقبل، يجب أن تعيد تفكيرها بأن تتصالح مع نفسها.

فالزمان لا يعود، ولن تعود الأمجاد بالصراع والقتل، فنحن في عصر تغيّرت فيه الكثير من المفاهيم، ولم يعد للماضي أي مكان بيننا، وعمل اليوم والتعايش مع الحاضر هو أسلم طريق لبناء المستقبل، فلا الأحلام هي التي ستعيد لنا أمجادنا، ولا التنظير يصنع مستقبلنا، إنما الواقعية هي التي تحتم علينا أن ننظر لما بين أيدينا، للنظر لحياتنا الآن، ونعمل فيها بجدّ لكي نكون متواجدين في المستقبل بشكل أفضل.

 

* كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات