لماذا يؤكد ترامب تزوير الانتخابات المقبلة؟

حديث ترامب العلني والمتكرّر عن احتمال رفضه نتائج الانتخابات الرئاسية هو استراتيجية انتخابية ذات هدفين، أحدهما يتعلق بالحملة ذاتها، أي من الآن، وحتى يوم الاقتراع العام في الثالث من نوفمبر المقبل، وثانيهما يتعلق بما سيتلو يوم الاقتراع، أي المرحلة التي تبدأ بفرز النتائج، وحتى تنصيب الرئيس الجديد في العشرين من يناير.

ففي الأسابيع الأخيرة، سُئل ترامب أكثر من مرة عما إذا كان سيقبل بنتائج الانتخابات. وفي كل مرة، كان الرئيس الأمريكي يرفض الإجابة بنعم عن ذلك السؤال. ففي إحدى المرات، قال: «سوف أرى.. لا لن أقول نعم ولن أقول لا»، وفي مرة أخرى، أجاب قائلاً: «علينا أن ننتظر لنرى». وفي مرة ثالثة، قال: «إن الديمقراطيين يحاولون تزوير الانتخابات. فهم لن يفوزوا إلا عبر التزوير».

وبعد أن كان الرئيس قد أعلن في إحدى تلك المرات عن اعتقاده بأن المحكمة العليا هي التي ستحسم النتيجة، أضاف، مؤخراً، أنه سيقبل بالنتيجة إذا ما نجح في تنصيب قاضٍ جديد بالمحكمة قبل الانتخابات. فمن المعروف أنه بوفاة القاضية روث بيدر جينزبرغ منذ أسابيع، صار مقعدها شاغراً.

ووفقاً للدستور فإن الرئيس هو الذي يتولى ترشيح من يخلفها، وهو الترشيح الذي يخضع لتصديق مجلس الشيوخ. ومن شأن تنصيب من يرشّحه ترامب أن يجعل التوازن في المحكمة يميل بشدّة لصالح اليمين. لذلك صار ذلك الترشيح شديد الجدلية، كونه يحدث قبل أسابيع قليلة من انعقاد الانتخابات.

وفي حدود علمي المتواضع، فإن تلك هي المرة الأولى التي يقول فيها رئيس أمريكي علناً، إنه قد لا يقبل بنتيجة الانتخابات التي هو أحد المرشحين فيها. والحقيقة أن ترامب نفسه كان قد قال الشيء نفسه في حملته للرئاسة عام 2016، لكن الفارق الرئيسي هو أنه لم يكن وقتها رئيساً.

والقراءة المتأنية لما قاله ترامب في المرات المختلفة التي سئل فيها ذلك السؤال، ولأن الانتخابات الحالية هي المرة الثانية التي يردد فيها ترامب المعنى نفسه، تشير بوضوح إلى أن تلك الإجابات تمثل استراتيجية انتخابية، تستهدف قطاعين مختلفين من الناخبين، أولهما مناهض له وثانيهما يؤيده. أما القطاع الأول فهو ناخبو الحزب الديمقراطي، أي أولئك الذين يعطون أصواتهم دوماً لصالح الحزب.

وتهدف تلك الاستراتيجية لإثناء هؤلاء الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات. فمن المعروف في نظام سياسي يقوم على وجود حزبين كبيرين أن نتائج الانتخابات الرئاسية يحسمها ليس مجرد الذين يدلون بأصواتهم، وإنما الأكثر حماساً للتصويت. فالقطاع الأكثر حماساً هو الذي يحتشد بكثافة لانتخاب مرشحه.

فإذا كان القطاع الآخر لا يملك الحماس نفسه وأحجم بعض ناخبيه عن التصويت، تحسم النتيجة لصالح الأول. وقد حدث ذلك بالضبط في انتخابات 2016. فمواقف هيلاري كلينتون أحبطت قطاعات مهمة من ناخبي الحزب الديمقراطي، خصوصاً السود والشباب، فأحجمت عن التصويت، وهو الأمر الذي كان أهم العوامل في حسم النتيجة ضدها.

لذلك فإن ترامب الذي يتراجع في استطلاعات الرأي، يسعى لإقناع الديمقراطيين أن المحكمة العليا هي التي ستحسم النتيجة، كما قال بنفسه، أو ربما هو شخصياً عبر رفض النتيجة وليست أصواتهم، فيحجمون عن التصويت.

أما القطاع الثاني الذي يستهدفه ترامب فهو قاعدته الأساسية، أي الجمهور الأكثر حماساً له. وهو يستهدف دعم هؤلاء ليس فقط يوم الاقتراع العام، وإنما بعده أيضاً، أي عند فرز النتائج وحتى تنصيب الرئيس الجديد في يناير. فهو بحديثه المستمر عن التزوير يسعى إلى إقناعهم بأن هزيمته معناها أن الانتخابات قد تم تزويرها لصالح منافسه.

كما قال بنفسه. والحقيقة أن الكثير من التحقيقات الصحفية واستطلاعات الرأي التي أجريت في الآونة الأخيرة، أكدت أن جمهور ترامب يثق فيما يقوله الرئيس أكثر من ثقته في أي مصادر أخرى للمعلومات خصوصاً الإعلام. والاستراتيجية تهدف إذن لإيجاد قطاع من الناخبين يؤيّد عندئذٍ رفض ترامب للنتيجة، ورفع المسألة للمحكمة العليا.

غير أنه ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كانت تلك الاستراتيجية ستحقق المرجو منها أم عكسها.

* كاتبة مصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات