«كوفيد 19» وإعادة صياغة العقلية البشرية

كل ذهن فقد قدرته على تصميم نفسه سيقوم غيره بتصميمه، ويبدو أن العالم كان يعيش هذه الأزمة الذهنية أزمة القدرة على إعادة صياغة لنفسه وعقله وعالمه ودنياه التي يحيا فيها، فقام «كوفيد 19» بتلك المهمة وصاغ العقلية البشرية، وصبها في قالب واحد اختاره هو بدءاً من نمط العيش والعمل والتعليم والسلوك.

وبعيداً عن الأمور النفسية التي كانت انعكاساً للحالة العقلية التي اختلت فيها إفرازات الدوبامين فتسببت في قلق واكتئاب الكثيرين وفرضت عليهم الخضوع للعلاج النفسي كنتيجة طبيعية لحالة العزلة والحجر المنزلي الذي فرضه «كوفيد 19» عليهم، بعيداً عن ذلك نجد الإرادة المحاربة والمكافحة التي كانت سمة لدى كثير من البشر في مضامير العلم والعمل والمعيشة، تبدلت منذ «كوفيد 19» إلى إرادة منسحبة خائفة لا تنظر إلى أبعد من البقاء على قيد الحياة فقط، بعد أن تنتهي هذه الجائحة.

ومثلما تفرض أهداف التنمية المستدامة في سياق بدائل الطاقة استبدال موارد ما تحت الأرض بموارد ما فوق الأرض، فرض «كوفيد 19» استبدال الحياة خارج المنازل، بكل ما تحتويه من وسائل وأدوات ومنشآت ومرافق للتعليم والعمل والترفيه والاجتماع بالناس بالحياة داخل المنازل، والتأقلم مع ما يمكن أن يوفّره الداخل من محتوى وأدوات ووسائل، والاكتفاء به وبدون ترتيب وتحضير مسبقين.

ونظراً لهذه الصياغة الجديدة للذهنية البشرية، فقد انصرف التفكير من العام الخارجي إلى الخاص الداخلي، وبسببه ازدهرت الحياة الخاصة عند الكثيرين، وهو ما يمكن أن نلمسه بوضوح في منشورات رواد مواقع التواصل الاجتماعي في العالم بأسره، فالجميع صار يتحدث عن حياته الخاصة واهتماماته داخل المنزل.

كما برزت ظاهرة التعويض كثيمة رئيسة في طريقة التفكير بشكل عام، فرضتها تفاصيل جائحة «كوفيد 19»، من خلال ما أوجبه الحجر المنزلي على الإنسان من استخدام أدوات عن بعد إجبارياً، فصار العقل البشري مصمماً على قواعد ثيمة التعويض، من حيث العمل والتعليم والعلاقات الإنسانية كل شيء صار عن بعد.

فصارت العلاقة بالأدوات والوسائل جزءاً أساسياً من عملية الممارسة الحضارية، التي تقتضي نشوء صيرورة جديدة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والوسائل التكنولوجية، من حيث صارت تعوّض الإنسان عما يفتقده، ومع مرور الوقت صار هذا التعويض غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة، غاية من حيث قدرتها على توفير كل شيء ينقص الإنسان، وحرم عليه في الواقع والتعويض يشمل النفسيات ويشمل الاقتصاد، ويمكن تسميته بالاقتصاد التعويضي.

حيث بإمكان الإنسان أن يعمل في سياق ما تفرضه الجائحة من عمل عن بعد، ويعوض بهذا العمل عما فقده وحرم منه وخسره بسبب «كوفيد 19»، ولا يقتصر ذلك فقط على الاقتصاد بل والعملية التعليمية برمتها، ويمكن تسميته بالتعليم التعويضي، وهو ذاته في سياق العلاقات الاجتماعية والتواصل مع الآخرين فأصبحت العقلية البشرية، وفقاً للصياغة الجديدة التي صبتها في قالبها جائحة «كوفيد 19» عقلية تعويضية. وللحديث بقية..

*خبيرة اقتصاد معرفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات