وداعاً أمير الإنسانية

ترجّل «أمير الإنسانية» عن صهوة جواده، ورحل عن عالمنا بعد مسيرة عطاء زاخرة في العمل العام استمرت لأكثر من نصف قرن، لم تقتصر إنجازاتها على الكويت وشعبها الشقيق، بل فاض عطاؤه ليشمل منطقة الخليج والعالم العربي، بل والعالم كله حتى كرّمته الأمم المتحدة بمنحه لقب «قائد للعمل الإنساني» في سبتمبر 2014.

لم يكن أمير الكويت الراحل، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، مجرد حاكم لدولة شقيقة، بل كان قائداً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتجسّدت فيه معاني الحكمة والتسامح والإنسانية بصورها شتى. فعلى المستوى الوطني الكويتي، كان للشيخ صباح دوره المهم في جميع مراحل نهضة الكويت الحديثة، منذ أن بدأ مسيرة العمل العام في يوليو 1954 بصفته عضواً في اللجنة التنفيذية العليا التي تولت مهمة تنظيم مصالح ودوائر الحكومة الرئيسية ووضع خطط عملها، حيث كان حاضراً وبقوة في جميع المحطات المهمة التي شهدها هذا البلد الشقيق، سواء في مرحلة تأسيسه وبنائه.

أو في مرحلة نهضته وتطوره أو في اللحظات الحاسمة في تاريخه. فعقب استقلال الكويت عام 1961 تم تعيينه عضواً في المجلس التأسيسي الذي أوكلت إليه مهمة وضع دستور البلاد، ثم عيّن وزيراً للإعلام في أول تشكيل وزاري عام 1962، قبل أن يتم تعيينه في عام 1963 وزيراً للخارجية، وهو العام الذي رفع فيه سموه علم الكويت على مبنى الأمم المتحدة بعد قبولها عضواً فيها، ليبدأ مسيرة طويلة من العمل الدبلوماسي نجح خلالها في بناء شبكة متميزة من علاقات الصداقة بين الكويت ومختلف دول العالم، حتى لقب عن جدارة بلقب مهندس السياسة الخارجية الكويتية.

وظهرت بصمات المغفور له الشيخ صباح في هذا المجال جلية عقب الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت، حيث اصطف العالم كله إلى جانب دولة الكويت الشقيقة في مواجهة هذا العدوان، في دلالة واضحة على نجاح الدبلوماسية الكويتية برئاسة الأمير الراحل في حشد المواقف الدولية إلى جانبها.

وتوّج عطاء الشيخ صباح، رحمه الله، في العمل العام بتقلده العديد من المناصب القيادية الأخرى إلى جانب منصب وزير الخارجية، حيث عُين نائباً لرئيس مجلس الوزراء الكويتي في أواخر السبعينات وفي منتصف الثمانينات، ثم تولى منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء عقب تحرير الكويت، وأسندت إليه مهمة تشكيل الحكومة الكويتية بالنيابة عام 2001، كما تم تعيينه رئيساً لمجلس الوزراء في عام 2003، قبل أن يؤدي اليمين الدستورية أميراً لدولة الكويت عام 2006.

وهذا التاريخ الزاخر من العمل العام، أضفى مزيداً من الحكمة والعقلانية على أمير الإنسانية الراحل، وجعل اسمه يرتبط بكل مراحل تطور الكويت الحديثة، ويلخص قصة نجاحها ونهضتها، ويحافظ على وجودها واستقلاليتها وأمنها وسط كل العواصف والأنواء التي مرّ بها هذا البلد الشقيق والمنطقة برمتها.

وعلى المستوى الخليجي والعربي، عمل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، على جمع الصفوف وتوحيد الكلمة ونشر السلام والاستقرار في ربوع المنطقة، فهو أحد الرواد الكبار في العمل الخليجي المشترك، كما وصفه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وقام أيضاً بالعديد من جهود الوساطة التي أسهمت في حل الكثير من أزمات المنطقة، ولم تمنعه ظروف مرضه في السنوات الأخيرة عن مواصلة هذا الدور التوفيقي الذي جعله «وسيط خير» ورجل سلام من الطراز الأول

لا شك ستفقد الكويت، والمنطقة كلها، برحيل «أمير الإنسانية» أو «الأمير الوالد»، كما يروق لكثير من الكويتيين تسميته، رمزاً من رموز نهضتها واستقرارها، وقائداً حكيماً عمل طول مسيرته الحافلة على خدمة وطنه وأمته، بل والإنسانية جميعاً من دون كلل أو ملل، ولكنّ عزاءنا جميعاً هو أن راية الكويت الخفاقة انتقلت ليد قيادة جديدة لا تقل حكمة ورغبة في مواصلة مسيرة النهضة التي قادها الأمير الراحل.

رحم الله الشيخ صباح الأحمد الذي ستظل مواقفه وجهوده خالدة في قلوب وذاكرة أجيال الكويت والمنطقة، وحفظ الكويت وشعبها وجميع شعوبنا ودولنا الخليجية من كل مكروه.

* كاتبة إماراتية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات