الحاجة إلى استقرار المنطقة

بمجرد استعراض القضايا التي تواجهها دولنا العربية والأزمات التي عرقلت الكثير من البرامج التنموية الداخلية، أو تسببت في عدم التركيز على ما يهم الإنسان العربي أو التي عقدت التعاون الثنائي بينها خاصة، الصراع العربي – الإسرائيلي (الذي يعد أهم وأخطر التحديات التي استمرت على مدى سبعة عقود)، فإن هذا الاستعراض، يؤكد حاجتنا -كعرب- إلى التفكير الإيجابي أو إلى المبادرات العقلانية أو ما يعرف بالتفكير «خارج الصندوق» أكثر من عقد الاجتماعات والمنتديات السياسية من أجل الخروج بتوصيات أو شعارات لم تقدم شيئاً يغير الواقع الفعلي.

جربنا الكثير من الصيغ السياسية لإيجاد حل لقضيتنا المركزية خلال محاولتنا استعادة الحقوق العربية إلى درجة أن بعض الناس شعروا بالملل من حالة «اللاحرب واللاسلم» ومعها الدول التي كانت داعمة للمواقف، إلا أن المشكلة العربية كانت دائماً متعلقة بتعطيل كل المحاولات بسبب تضخيم القدرات العربية في مواجهة الآخر بطريقة تتعدى الواقع الفعلي.

وكذلك في تجاهل التجارب السياسية الأخرى لاستلهام الأفكار منها في الخروج من أزماتنا، ربما تجربة جنوب أفريقيا كانت إحدى القصص الملهمة في إيجاد مخرج لعلاقتنا مع إسرائيل، بل إن الكوارث التي حلت بالإنسان العربي جراء هذه الأزمة يفترض أنها كفيلة للبحث عن مقاربة لمعالجتها مثل: مذبحة صبرا وشاتيلا.

هذه الأزمة أدخلت العرب أنفسهم في نزاعات بينية، بعضها طويلة الأمد، وصلت لأن تشمل حتى القيادات الفلسطينية نفسها، حيث شابت مواقفهم اختلافات، كما أفرغت الأزمة العديد من المفاهيم السياسية من محتواها الواقعي، فمفهوم «فن الممكن» لم يعد موجوداً لدى العرب، بل سيطرت فكرة إلغاء إسرائيل وإلقائها في البحر.

كما أن هذه الأزمة صارت مبرراً لكل من يريد التحايل على الشعوب والتهرب من مسؤولياته الوطنية، بل حملت عليها الكثير من الكوارث العربية والإسلامية، فكان غزو الكويت طريقاً نحو تحرير القدس، وكان تدمير لبنان من قبل ميليشيا «حزب الله» ومقامرات زعيمه حسن نصر الله، تحت ذريعة استرجاع الحقوق الإسلامية، بل إن إنشاء «قناة الجزيرة» القطرية وما تتناوله من تحريض، جاء تحت عنوان إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين!

التحديات المستقبلية على المجتمع الدولي ستكبر، والاهتمامات الأساسية للحكومات ستتغير، بل إن القناعات المسيطرة على الشعوب والرأي العام العالمي لا يمكن لأحد أن يجزم بأنها ستستمر كما هي، خاصة في ظل التوجه نحو التحلل من القضايا غير الإنسانية، فالعالم بعد «كورونا» سيتجه نحو التضامن أكثر، ما يعني أن الأوضاع تسير لأن تكون أكثر سوءاً بشأن القضية.

وبالتالي المطلوب وعي ينمو بشكل يناسب التغيرات العالمية، ويخلق معه تفكيراً موضوعياً قابلاً للإقناع قبل التطبيق على أرض الواقع، خاصة في الأزمات الأكثر تعقيداً؛ لأنها تسببت ليس في تمزيق المواقف السياسية العربية، وإنما التشكيك في أي تحرك لأي دولة خارج الفهم التقليدي.

يمكن وصف المرحلة الحالية في المشهد الدولي بأنها مرحلة انتقالية، حيث نجد التنافس بين الدول الكبرى في العالم على مناطق النفوذ سواءً روسيا أو الولايات المتحدة أو الصين، والحال نفسه لدى تركيا وإيران وفرنسا وكذلك بريطانيا، التي بدأت تعيد البحث عن دورها الدولي في منطقة المحيط الهندي.

وبالتالي سيكون من الصعب الجزم باستمرار الدعم والتأييد الدوليين لأي قضية عربية، وبما أن الاعتماد الأكثر على الوسيط الدولي، فإن الأمر يحتاج إلى التحلي بالروح الإيجابية والمبادرات العملية للتغلب على التعقيدات المتراكمة منذ عقود، على غرار ما فعلته الإمارات في معاهدة السلام مقابل إيقاف ضم الأراضي الفلسطينية.

كل حالة تأخير عربية لتسوية سلمية ستصبّ في صالح إسرائيل، فهي الآن في مركز أقوى مما كانت عليه سابقاً، كما أن القناعات السابقة والمواقف السياسية الدولية كانت تميل نحو الطرف الفلسطيني، كما أن العلاقات العربية الداخلية كانت أقل توتراً. هذا الملمح أو المشهد اليوم غير موجود، بل مع مرور الوقت (القريب) سيتراجع ويتآكل.

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات