قانونا الإفلاس والإعسار في الميزان

فلسفة القانون بصفة عامة تقوم على تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع ككيان، وبين مصلحة الأفراد - فرادى أو جماعات - كجزء لا يتجزأ من مقومات هذا المجتمع.ولا بد عند صياغة تشريع ما، تحديد الشريحة المجتمعية التي تخضع أو تتأثر بهذا القانون، ولذلك فإنه من الأهمية بمكان مراعاة الديمغرافية أو التركيبة السكانية التي سيطبق عليها القانون، وضرورة النظر بحرص إلى مدى مواءمة التشريع لفرض التوازن بين هذه التركيبة السكانية والمصالح الاستراتيجية للمجتمع.

ومن جهة أخرى، فإن كفاءة أي نظام اقتصادي يخضع لمعيارين أساسيين هما، سهولة الدخول إلى السوق وتوفير الضمانات، وسهولة الخروج من السوق، والواقع أن النظام الاقتصادي الحر الذي تنتهجه دولتنا الرشيدة يقوم على هذين الأساسين، ولكن ليس معنى ذلك أن إيجابيات هذا النظام تنسينا السلبيات التي يجب الوقوف عليها حفاظاً على مكتسبات أنظمتنا ومقوماتها.

فالإفلاس كنظام تجاري خاص بالتجار والشركات التجارية، ويقوم على تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة، أي مصالح الدائنين في مواجهة المدينين بتمكينهم من الحصول على حقوقهم أو جزء منها بالمساواة فيما بينهم، وفي الوقت نفسه يمنع المدين من التصرف في أمواله وغل يده عن إدارتها، وكذلك يمثل حماية للدائنين في مواجهة بعضهم البعض بحسب ما إذا كان الدين عادياً أو ممتازاً، سابقاً على إشهار الإفلاس أم لاحقاً عليه، وقد نظم المشرع الإماراتي الإفلاس بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 9/‏‏2016.

وأما الإعسار، فقد نظمه المشرع بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 19/‏‏2019، وهو قانون فريد ويمثل إحدى صور الريادة لدولة الإمارات، لأنه يندر في القوانين المقارنة وجود قانون خاص بالإعسار، لأن الإعسار في جميع التشريعات المقارنة لا يمثل سوى جزء من قوانين المعاملات المدنية، لأن الإعسار في أصله نظام مدني، أي أنه خاص بالأشخاص الذين لا ينطبق عليهم وصف التجار، وهو اصطلاح مستوحى من مبدأ (نظرة الميسرة المعروفة في فقه المعاملات الإسلامية) ويقوم هذا المبدأ في أصله على منح المدين أجلاً لسداد ديونه دون أن يلحق هذا الأجل ضرراً جسيماً بالدائن.

وأهم ما يفرق بين الإفلاس والإعسار هو أن الأول تجاري والثاني مدني، وأن الأول تصفية جماعية لأموال المدين التاجر المعسر، بينما الثاني لا يمنع الدائنين من اتخاذ إجراءات فردية تجاه المدين.

والحقيقة أن المشرع الإماراتي قد حرص في كلا القانونين على النص على تجريم الإفلاس والإعسار العمديين ورصد لذلك عقوبة جنائية، إلا أن الواقع العملي قد أفرز لنا حالات كثيرة أظهرت سلبيات خرجت بالأسس التي قام عليها كل من هذين القانونين والأهداف المنشودة منهما، إذ إن النظام المصرفي الحر أو الانفتاحي التي تتبعه دولتنا الرشيدة يتيح للشركات والتجار والأشخاص التعامل الحر والتحويلات المصرفية غير المحدودة، وهو ما أدى إلى استغلال الكثير من الشركات والأجانب (تجاراً كانوا أو أشخاصاً) ذلك بتحويل مبالغ طائلة خارج الدولة واللحاق بأموالهم دون عودة أو البقاء في الدولة دون سداد مديونياتهم، وهو ما كان من شأنه التأثير على حقوق الدائنين من جهة، والتأثير في الناتج القومي من جهة ثانية، والاقتصاد الوطني من جهة ثالثة.

لذلك يتعاظم دور القضاء في إرساء المبادئ التي من شأنها إجراء التوازن بين حماية حقوق الدائنين وتعافي المدينين، سواء تجاراً أو شركات أو أشخاصاً طبيعيين مما قد ينتابهم من تعثر مالي فعلي ورغبة حقيقية في العودة للسوق والاستثمار الجدي والمشاركة الفعالة في عجلة الاقتصاد، وكذلك اتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بتتبع أموال المدين حتى لو كانت خارج الدولة، ولعل اتفاقيات التعاون الدولي في مجالات تنفيذ الأحكام القضائية التي أبرمتها دولتنا مع غالبية دول العالم، كفيلة بتفعيل هذه الإجراءات.

وكذلك يقع على عاتق كافة المؤسسات المالية في الدولة، سواء البنوك والمصارف أو شركات الصرافة العاملة في الدولة دور حيوي ومهم يتمثل في ضرورة اتباع سياسات تضمن عدم تهريب الأموال بهدف التأثير في الملاءة المالية للوقوف على العجز عن سداد الديون وما إذا كان حقيقياً أم مفتعلاً، ومن ثم إشهار الإفلاس أو الإعسار أو إيقاع الجزاء الجنائي على المتلاعبين بحقوق دائنيهم لتفادي الآثار السلبية المترتبة على ذلك.

* كاتب وإعلامي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات