عاداتنا الجديدة بُعَيدَ «كورونا»

بعد عودة المياه إلى مجاريها في بيئات العمل، حتماً ستتغير أمور كثيرة، في مقدمتها بيئة العمل وشيء من عادات الناس وتوقعاتهم وتجارتهم وتعاملاتهم. هذه طبيعة الأحداث الكبرى، تحدث تغييراً ملحوظاً في حياة الناس. ومما يتوقع تغييره مناخ بيئة العمل. فالناس، أو بالأحرى المؤسسات، قد رأت بعينها أن عمل شريحة من الموظفين عن بُعد هو أمر ممكن.

وقد أعلنت في الكويت، أمس، شركة الاتصالات STC بأنها منحت موظفيها حرية العمل من المنزل ممن لديهم أطفالاً يدرسون عن بعد في المرحلة الابتدائية (تعليم إلكتروني). هذه النقلة جاءت من القطاع الخاص، وهي ليست مرتبطة بتعليمات الحكومة بشأن منح أصحاب الأمراض المزمنة حق العمل عن بعد، بل هي مبادرة مجتمعية من شركة تجاه أطفال في مرحلة تأسيس لغتهم وعلومهم.

والتغيير يتوقع أن يطال عادات دقيقة، مثل مأكل ومشرب الناس. ففي زيارة قمت بها لأحد المجمعات التجارية الكبرى، لمرات عدة، وفي أوقات مختلفة، لاحظت أمراً غريباً، وهو أن الطوابير قد تلاشت من معظم المحلات، بل وحتى المطاعم، ما عدا متجر واحد لا يكاد يخلو من طابور طوال اليوم، وهو متجر بيع كبسولات القهوة الشهيرة لتحضيرها في المنزل، هذا المتجر لم يكن يوماً من الأيام مزدحماً، ناهيك أن يكون فيه طابور طويل من الزبائن، تقدمت إلى أحد الباعة فسألته عما يجري، فقال ارتفعت مبيعاتنا بشكل مذهل، وتكاد تخلو مخازننا من مكائن تصنيع القهوة وكبسولاتها.

فالناس بالفعل وجدت متعة لذيذة في تناول المشروبات الساخنة في المنزل. واكتشف كثيرون أن إعداد القهوة ليس بتلك الصعوبة. وكذلك حال الطعام، فعندما يعود المرء إلى منزله، يمكن أن يتناول أشهى المأكولات التي كان يعتقد أنها مقتصرة على مطاعم بعينها، وذلك بعدما انتعشت المطابخ المنزلية بالوصفات «المسربة».

عندما كنا نشاهد أطباء الأسنان وغيرهم ممن يصرون على تنظيف الأسطح والأدوات بمعقمات كحولية، كنا نرى في ذلك «ترفاً» أو شيئاً من المبالغة، ثم صرنا بعد انتشار الأبحاث الطبية عن خطورة انتقال الأمراض، عبر الأسطح والتنفس والرذاذ، أكثر اقتناعاً بأن التباعد أمر يقلل من الإصابة بأمراض عدة مرتبطة بالعدوى أو الجهاز التنفسي.

والناظر إلى أرقام المعدات الطبية يلحظ ارتفاعاً حاداً في الإنتاج مع كل أزمة أو وباء، تماماً كما حدث أثناء انتشار مرض سارز وإنفلونزا الخنازير، حيث تصاعد أنتاج المنتجات الكحولية والمناديل المعقمة بصورة جنونية حتى يومنا هذا، فأضحت جزءاً من عادات الناس.

مما يتوقع تغيره كذلك، أجواء العمل، إذ إن المسؤولين قد يميلون إلى المرونة في عقد اجتماعات عن بعد، لم يكن مقبولاً بها في بيئات العمل الروتينية. وكذلك قد تمتد الاجتماعات العاجلة إلى ساعات المساء لحسم بعض الأمور العالقة.

وصار في وسع أستاذ الجامعة أن يعقد محاضرته عن بعد بعيد مؤتمره بدلاً من الاعتذار بداعي السفر. وصار المدير يستطيع التوقيع إلكترونياً في أثناء رحلة عمل بعد تحسن أداء التطبيقات، وبعد تعرف قطاعات واسعة على هذا العالم الإلكتروني الذي تم تجاهله لسنوات طويلة.

والأهم من ذلك كله أن القانونيين، الذين يصعب إقناعهم في أمور مثل هذه، رأوا بأنفسهم كيف يمكن أن تسير الأمور على ما يرام عن بُعد في بعض القرارات التي لا تحتاج سوى تشريع أو لائحة أو قرار يجيز للمسؤولين البت في العاجل من الأمور عن بُعد، وهي فكرة مارستها مجالس الإدارات بالقطاع الخاص لعقود طويلة عبر قرارات بالتمرير by-pass فيعتمد المجلس قرارات مصيرية لا تحتمل التأجيل. وهذا كله مما قد يغير بيئات العمل في العمل الحكومي تدريجياً، خصوصاً مع تنامي تحول دوائرها الحكومية إلى التطبيقات الهاتفية وخدمات الإنترنت.

أما فيما يتعلق بالبيع والشراء، فإن العلماء يعكفون حالياً على تطوير تقنيات عرض المنتجات بأبعاد رباعية أو أفضل تكاد تطابق الواقع. وفي السوق حالياً يمكن للفرد أن يلج إلى متجر ويتجول به، وكذلك الحال عبر تطبيق الملاحة «غوغل مابز»، حيث يرى بتقنية 360 مثلاً شارع «روديو درايف» في لوس أنجلوس رغم أنه لم ير كاليفورنيا في حياته.

كل ذلك كسر الحاجر المكاني، لأن البشرية مرت بتجربة قسرية أجبرت المترددين على «تجريب» ما كانوا يتحاشون من تكنولوجيا بحجج واهية. قبل أيام رأيت رجلاً ثمانينياً يصور وثيقة مهمة عبر ماسحة ضوئية scanner (تطبيق في هاتفه) ليرسلها لجهة رسمية طلبتها منه.

لفيروس «كورونا» مساوئ، لكنه في الواقع أحدث هزة في عاداتنا، وربما ستزيد أكثر في الشهور المقبلة التي نرجو أن ترسم للبشرية مستقبلاً أفضل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات