لا تكسروا المزيد من الجِرار

«إننا نشهد اليوم فكراً جديداً سيخلق مساراً أفضل لمنطقة الشرق الأوسط، فمعاهدة السلام هذه، التي تعد إنجازاً تاريخياً لكل من الولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، لن يتوقف أثرها الإيجابي، بل إننا نؤمن بأن ثمارها ستنعكس على المنطقة بأسرها، فكل خيار غير السلام سيعني دماراً وفقراً ومعاناة إنسانية».

الزمان: الثلاثاء 15 سبتمبر 2020.

المكان: البيت الأبيض - واشنطن.

المناسبة: توقيع معاهدة السلام بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة إسرائيل.

المتحدث: سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي.

قبل هذا التاريخ بثلاثة وأربعين عاماً، في العشرين من نوفمبر 1977 على وجه التحديد، وقف الرئيس المصري الراحل أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي بالقدس متحدثاً فقال:

«إنَّ في حياة الأمم والشعوب لحظات يتعين فيها على هؤلاء الذين يتّصفون بالحكمة والرؤية الثاقبة، أن ينظروا إلى ما وراء الماضي، بتعقيداته ورواسبه، من أجل انطلاقة جسور نحو آفاق جديدة. وهؤلاء الذين يتحملون، مثلنا، تلك المسؤولية الملقاة على عاتقنا، هم أول من يجب أن تتوافر لديهم الشجاعة لاتخاذ القرارات المصيرية، التي تتناسب مع جلال الموقف».

كانت زيارة القدس قراراً شجاعاً من الرئيس السادات، وكانت خطوة فتحت الباب أمام توقيع أول معاهدة سلام بين دولة عربية وإسرائيل.

أكثر من أربعة عقود فصلت بين خطاب سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وخطاب الرئيس السادات، سنوات اختفت خلالها أجيال وظهرت أجيال، وجرت خلالها مياه كثيرة تحت جسور قديمة تهدم بعضها، وأخرى جديدة أقامتها أيد غريبة في ظروف مريبة.

سنوات اختفت خلالها وجوه كانت رموزاً لمرحلة وظهرت وجوه كانت ذات يوم في الظل، وسقطت أقنعة كانت تخفي وراءها خلاف ما تبدي، وظهرت أقنعة لا أحد، إلا الله، يعرف ما تخفي، وتضاءلت أحلام كانت بحجم مجرة، وظهرت أحلام بحجم قرية صغيرة منسية.

أربعة عقود كأنها قرون أربعة لكثرة ما شهد العالم خلالها من أحداث، وما مر بالبشرية خلالها من مآسٍ، وما ضيعنا نحن العرب من فرص، فمن كان المسؤول عن كل ما حدث، ولماذا حدث، ومن هو الذي يستطيع الإجابة عن سيل الأسئلة التي تفيض بها أنهار القضايا التي أصبحت تشغل المواطن العربي، بعد أن كانت لديه قضية واحدة تشغله، تحتل البند رقم واحد في مؤتمرات قممه العربية والإقليمية، وتشكل محور أحاديث وسائل إعلامه ومنتدياته ومجالسه؟

صحيح أن البكاء على اللبن المسكوب لن يعيد ملء الجرار الفارغة، لكن أخذ العبرة من أحداث الماضي، يجعلنا نتجنب سكب المزيد من اللبن وإفراغ المزيد من الجرار، وكسر بعضها، كما حدث في كثير من الأحيان.

من يقول إننا لم نكسر خلال السنوات الماضية جراراً كثيرة، يغالط نفسه ويخدعها، فمسيرة سكب اللبن وكسر الجرار بدأت قبل هذه العقود الأربعة حين نجح الآخرون في إدارة معاركهم ولم نعرف نحن كيف ندير معركتنا، حتى جاء زمن أصبحت المعارك فيه تدور بيننا، وأصبحت القضية بضاعة يتاجر بها الذين وقفوا عاجزين عن تحقيق شيء على الأرض، فاتخذوا من إلقاء التهم وتخوين غيرهم وسيلة للدفاع عن أنفسهم، وتبرير فشلهم في تحقيق أي مكسب من أي نوع لأوطانهم، ناهيك عن تبديد كل أمل في الخروج من النفق المظلم الذي أدخلوا فيه أنفسهم، حين وضعوا مصائرهم في أيدي غرباء ذوي أجندات تحمل في ظاهرها الرحمة، وفي داخلها يكمن العذاب الأكبر.

ما حدث يوم الثلاثاء، الخامس عشر من سبتمبر 2020 في واشنطن، فرصة أخرى من الفرص التي يجب ألا تضيع من العرب، وعلى رأسهم أصحاب القضية الذين من المفترض أنهم استوعبوا دروس العقود الماضية، ولم يعودوا بحاجة إلى سكب المزيد من اللبن أو كسر المزيد من الجرار بعد كل هذا اللبن الذي سكبوه، وكل هذه الجرار التي كسروها.

فقد ضاعت قبل هذا اليوم فرص كثيرة، وكلما ضاعت فرصة ضاقت الدائرة حولنا، واتسعت الفجوة بين أحلام الماضي وآمال المستقبل، وتضاءلت المكاسب التي يمكن أن نحققها، وتضاعفت الآلام التي علينا أن نتحملها.

نرجوكم.. لا تكسروا المزيد من الجِرار إن كنتم عقلاء، فما عاد الوضع يحتمل مزيداً من الحماقات، وعلى الذين يوزّعون الاتهامات أن يعلموا أن الخيانة ليست من طبع أهل الإمارات.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات