«جوجل» ترسّخ وجودها الاستثماري في الهند

في وقت عصيب يسود فيه الكساد اقتصاديات العالم، وتتراجع فيه الاستثمارات الأجنبية بسبب تداعيات «كورونا»، نجد شركة «جوجل» ترسخ أقدامها في الهند.

وذلك عبر استثمار 10 مليارات دولار في أسواق الهند الرقمية الواعدة، خصوصاً أن هذا السوق هو أحد آخر الأسواق الرقمية، التي لم يتم استغلالها بشكل كامل إلى اليوم، حيث إن الإحصائيات تشير إلى أن ما يقارب من نصف عدد السكان لا يستخدمون الإنترنت حتى الآن.

ونيودلهي التي تدرك تماماً مدى حاجتها إلى الاستثمارات الأجنبية لخلق فرص عمل جديدة لسكانها المتزايدين، وأيضاً لمواجهة احتياجات الملايين الجديدة للخدمات الرقمية، رحبت بقرار شركة «جوجل»، خصوصاً أنها قامت مؤخراً بالعديد بالإجراءات التي تصب في صالح سد العجز المالي المتزايد، واستعادة عافية اقتصاد البلاد البالغ حجمه 2.7 تريليون دولار، ورفع معدلات نموه.

والمعروف أن «جوجل» كانت أولى شركات التقنية الأمريكية التي وجدت في الهند سوقاً واعدة لمنتجاتها، لكنها تباطأت في استغلال الفرص وعمليات الاستحواذ التي طرحتها الحكومة بمليارات الدولارات، لتعود اليوم وتطرح فكرة إنشاء «صندوق جوجل لرقمنة الهند» من أجل استثمار مليارات الدولارات على مدى السنوات الخمس المقبلة في تطوير البنية التحتية الرقمية للبلاد.

ومما لا شك فيه أن «جوجل» لن تجد الكثير من الصعوبات في اختراق الأسواق الهندية. ذلك أن للشركة عمليات وتواجد فيها منذ عام 2004، ناهيك عن أن الهنود مذاك على تواصل مع الأسماء الأمريكية الكبرى الأخرى مثل «فيسبوك» و«أمازون» و«وول مارت»، وغيرها.

نعم، «إنها لحظة الهند، واعتراف بقوتها الرقمية العظيمة، وخططها المستقبلية الهادفة للتمكين والابتكار» كما قال وزير الاتصالات والإلكترونيات والمعلومات الهندي في تعليقه على قرار جوجل المذكور.

كما أنها فرصة لـ«جوجل» للاستفادة من الشعور المناهض للصين، الذي بدأ يهيمن على الهنود منذ ظهور جائحة «كورونا»، ثم الحادث المسلح على حدود البلاد الشمالية (وهي الواقعة التي ردت عليها حكومة ناريندا مودي في يونيو المنصرم بحظر استخدام 60 تطبيقاً من التطبيقات الصينية كان على رأسها «تيك توك» .

وذلك بداعي حماية البلاد أمنياً من اختراقات الصين السيبرية، ناهيك عن محاولاتها الدؤوبة للتخلص بشكل أكبر من الموردين الصينيين، سواء فيما يتعلق بالهواتف النقالة أو التطبيقات).

وعلى الرغم من أن الهند تضررت كثيراً من جائحة فيروس «كورونا» المستجد بعدد إصابات تجاوزت 800 ألف شخص، فإن «جوجل» لم تكن الشركة الوحيدة التي سارعت لمد يدها الاستثمارية للهند.

ففي شهر أبريل المنصرم عقدت شركة «فيسبوك» صفقة مع إحدى الشركات الهندية الرائدة في مجال الهواتف المحمولة بقيمة 5.7 مليارات دولار لتغطية الأماكن النائية من البلاد، وتمكين سكانها من القيام بالتجارة الإلكترونية. أما شركة «أمازون» فقد استثمرت في الهند في عام 2018 نحو خمسة مليارات دولار لتوسيع وتعزيز تواجدها في الأسواق الهندية.

وفي العام نفسه اشترت شركة «وول مارت» واحدة من أكبر شركات الهند العاملة في قطاع التجارة الإلكترونية وهي شركة «فليبكارت» التي تأسست عام 2007 بستة عشر مليار دولار. علاوةً على ذلك هناك شركة «ريلاينس اندوستريز» غير المعروفة على نطاق واسع في الغرب. فهذه الشركة البالغ حجم أعمالها السنوية نحو 90 مليار فرنك سويسري، تستثمر في قطاعات البتروكيماويات والبيوتكنولوجيا والتوزيع والاتصالات، وتوظف أكثر من 195 ألف شخص.

ومن الواضح أن كل هذه الشركات الأمريكية التي توصف بـ«عمالقة سيليكون فالي» تتنافس على الاستحواذ على «جيو بلاتفورمز» التي تعد الفرع الرقمي من المجموعة الأم، والتي تدير متعامل الهاتف النقال «جيو»، الذي تم إطلاقه في 2006، ونجح في استقطاب 388 مليون عميل في ظرف 4 سنوات، ليصبح المتعامل رقم واحد في الهند في قطاع الاتصالات المحلي.

المستغرب أن كل هذه الاستثمارات الأجنبية تتدفق على الهند بالرغم من أن نيودلهي لم تلغ حتى الآن كل القيود والاشتراطات التي تفرضها على المستثمرين الأجانب، استجابة لمطالب بعض الساسة ورجال الأعمال ممن يرغبون في أن تكون الهند كالصين لجهة حماية الشركات المحلية من تغوّل الشركات الأجنبية. لكن الاستغراب يتوارى حينما نعلم أن رؤساء «جوجل» و«مايكروسوفت» و«أدوبي» و«آي بي إم» ينحدرون كلهم من أصول هندية، وبالتالي فهم يعرفون بلدهم الأم وظروفه جيداً.

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات