المهنة التي تقتلك وتبقيك حياً!

أمنية الصحافي المهني أن يكون هو الخبر لا أن ينقل الخبر. وإن تعذّر ذلك، أن يكون في قلب الحدث صدفة أو متعمداً فينقله طازجاً نظيفاً دون أن يمر على وكالات الأنباء.

قبل حرب يوليو 2006 بأيام، تصادف أن سافرت الزميلة د. خولة مطر، رئيسة تحرير جريدة «الوقت» البحرينية، إلى بيروت في زيارة خاصة. وكانت تقيم في بيروت لخمس عشرة سنة لطبيعة عملها كأحد كبار موظفي منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة. وذلك قبل أن تعود إلى بلدها لتجرب الاستقرار في وطنها الذي بدأت فيه حياتها المهنية كصحفية متميزة.

بعد يومين أو ثلاثة بدأت الحرب. اتصلت بي، بصفتي مدير تحرير الجريدة، من بيروت بصوت متهدج، لكن واثق ومجرب لتغطية الأحداث الساخنة قائلة: إنهم يقصفون الجنوب، وأهل بيروت يستذكرون غزو 1982، وثمة خوف من تكرار ما حدث تلك السنة. هنا ارتباك وعدم وضوح عما سيجري. ماذا أفعل؟ قلت لها: لا تغادري شقتك. انظري من النافذة واكتبي ما ترين، وأرسليه لي.

قلت في نفسي ولرئيس هيئة التحرير، الزميل إبراهيم بشمي: هذه فرصة من السماء. أن يكون لنا مراسل من قلب الحدث، وأي مراسل، رئيسة التحرير. وبالفعل أرسلت خولة أول رسالة بأسلوبها الأدبي الراقي. فرحي بالسبق الصحفي كان في صراع مع خوفي عليها من الحرب. قلت لها: لا تنزلي إلى الشارع، فقط أوصفي ما ترينه. وإذ في الرسالة الثانية تكتب عن الأجواء في المنطقة المحيطة بها. قلت لها: لماذا خرجت من البيت؟ هذا خطر عليك! ضحكت كعادتها، وقالت لا تخف، هل نسيت أنني صحافية؟

واتسعت دائرة تغطيتها الميدانية لتشمل كل بيروت. وفي كل يوم كنت أنشر رسائلها على ثلاثة أعمدة من رأس الصفحة الأولى حتى آخر الصفحة. كانت تترك لي وضع عناوين المادة التي ترسلها، وأحياناً يحدث قصف، فأكمل الرسالة بما يتوفر من معلومات تبثها وكالات الأنباء، خاصة أن أسلوب كتابتها وكتابتي كانا متشابهين إلى حد كبير.

بعد حوالي أسبوع، جاءت رسالتها من الجنوب الذي كان يغلي. قلت لها غاضباً: ماذا فعلت يا مجنونة، هل ذهبت إلى الجنوب؟ أطلقت ضحكة لا أنساها، وكما أنها تريد أن تقول لي أنت المجنون، قالت: نعم يا أستاذ ذهبت إلى الجنوب، وها قد عدت إلى بيروت. لم يحدث لي شيء، لا تقلق.

الصدفة الثانية لخولة مطر مع الموت، أو لنقل مع الحياة وبيروت، حدثت وهي ليست رئيسة تحرير، بل كنائب للمندوب الدولي للأمم المتحدة في سوريا. جاءت إلى بيروت لتمضي عطلة العيد وإجازة مع شقيقها القادم من البحرين، لتواجه انفجار المرفأ في 4 أغسطس الماضي. تصف ما جرى بقولها: هناك دخان أبيض صاعد من المرفـأ المقابل للعمارة التي نسكنها.. يأتي صوت أخي.. أتحرك سريعاً باتجاه البلكونة المغلقة بالزجاج كحال كل بلكونات العمارة.. أحمل هاتفي، لا ليس حريقاً، ليس حريقاً، الدخان الأبيض يعلو.. حشريتي الصحفية لم تمت أبداً، أعرف ذلك.. قلت: تأكد هل شريط الأخبار يذكر حريقاً أم؟ أنا متقدمة باتجاه البلكونة المغلفة بالزجاج وهو خلفي ربما بخطوتين.. صرخة ضعيفة «آه آه». بعد صوت الانفجار يتحول فضاء المكان إلى كم من الزجاج المتطاير والغبار الأبيض.

نسيت أنني في ذاك المساء أصريت على «عماش»، الشاب الذي قدم من دير الزور قبل أكثر من عشرين عاماً حارساً للمبنى الذي سكنته. حينها بقي الرابط متواصلاً. انتقلت إلى شقق عدة في بيروت. وبقي هو حارسي الذي ألجأ إليه كلما احتجت للمساعدة.

كان جالساً بين جدارين يفك زرار النور في غرفة نوم أختي.. حصل الانفجار وهو هناك. لم يصب. خرج يجري بين الدخان الأبيض ورذاذ الزجاج. وجد أخي واقفاً في الصالون ينزف دماً من رأسه ووجهه. جرى الاثنان للبحث عني، بدأ يصرخ بعد عدم وجودي كعادتي خلف المكتب، الذي تحطم بالكامل، وطار الزجاج من أمامه، فسقط الكثير من الأوراق وغيرها من الطابق الرابع.

«الحجة سقطت... الحجة راحت» كان يناديني بالحجة بسخريته، ولكنه الآن يبكي، ينوح، مستمر في الصراخ. ينهره أخي ويجري للبحث بين الدخان الأبيض والزجاج. يبدأ الغبار الأبيض والزجاج في النزول ببطء نحو أرض الشقة المغطاة بحطام كل ما كان بها. ببطء أيضاً، بدأت تتضح الصورة على حجم الدمار.. يسمع صوت أنين قريباً من مائدة الطعام، يجرى الاثنان نحو مصدر الصوت هناك. يجدونني مستلقية على ظهري، حيث رماني الانفجار، مغطاة بالدم من رأسي حتى آخر أصبع قدمي. عيناي مفتوحتان.. الآن فقط، وبعد أكثر من أسبوعين، أعرف أنني ربما رحلت وعدت. هذه هي مهنة الصحافة، لمن لا ينسى أنه صحافي، ويكتب ليتنفس.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات