..وأخطر من الإرهاب تبييضه

ضرب الإرهاب تونس مرة أخرى مستهدفاً دورية أمنية قرب مدينة سوسة السياحية الساحلية، وذهب ضحيتها عون حرس وطني وأصيب آخر.

وبقطع النظر عن رمزية توقيت الضربة، حيث نُفّذت يوم الأحد السادس من سبتمبر 2020، وهو يوم يوافق ذكرى تأسيس جهاز الحرس الوطني، كما جاءت بعد أربعة أيام من المصادقة على حكومة هشام المشيشي في البرلمان، فإنّ اللافت هو الزّمن السياسي للعملية الإرهابية.

فقد أضحى من الواضح أنّه وفِي كلّ مرّة تكون فيها حركة «النهضة» الإخوانية في حالة حرجة سياسياً أوهي في حالة ضعف، تُصابُ تونس بِمِثْلِ هذه العمليات التي تضرب في الغالب مناطق ومرافق حسّاسة.

وإنّ تكرار هذا السيناريو هو الذي يُعطي الانطباع - الذي بدأ يترسّخ كقناعة لدى عموم التونسيين - بأنّ أحزاب «الإسلام السياسي» عموماً غير بعيدة عمّا جرى ويجري، وهو ما قد يفسّر ردّة الفعل العنيفة ضدّ رئيس حركة «النهضة» ورئيس مجلس النواب خلال الجنازة الرسمية لتشييع جثمان شهيد المؤسّسة الأمنية.

ولا نعرف في تاريخ الديمقراطيات، أن اتُّهِمَ رئيس برلمان ورئيس الحزب الحاكم بمِثْلِ ما اتُّهِمَ به زعيم «النهضة» راشد الغنّوشي، حيث هتفت واتّهمت الجموع الحاضرة في الموكب الرسمي للجنازة، الغنّوشي بكونه «سفّاحاً»، وهي تهمة كثيراً ما ردّدها المتظاهرون منذ اغتيال شهيد الوطن شكري بلعيد في 2013.

وقد يُطرح سؤال مهم: لماذا يتّهم الشارع التونسي ومكوّنات أساسية من المشهدين الحزبي والسياسي، وحتّى من منظمات المجتمع المدني، «النهضة» وما جاورها سياسياً وأيديولوجياً بشبهة الإرهاب، والحالُ أنّ هذه العمليات الإرهابية تتمّ وتتبنّاها غالباً تنظيمات إرهابية دولية مثل «داعش» وغيره؟!

إنّه ما من شكّ في أنّ الأجنحة العسكرية للإرهاب هي التي تنفّذ العمليات الإرهابية في تونس وفِي غيرها من البلدان، وهي التي تختار في الغالب توقيت عملياتها، ولكنّه من البيّن أيضاً أنّ اختيار التوقيت هو وثيق الارتباط بمصالح بعض الأطراف السياسية في داخل كلّ بلد تنفّذ فيه عملية إرهابية.

وليس من قبيل الصدفة مطلقاً أن نجد دوماً من بين هذه الأطراف من يتبنّى إثر كلّ عملية، روايات تجد بعض التبريرات والأعذار، في محاولة منها إلى إلقاء المسؤولية والتّهم على جهات أجنبية أو استخباراتية خارجية، وذلك لِدَرْءِ كل شبهة علاقة بالإرهاب والإرهابيين. ويُعْتَقَدُ أنّ هذا السلوك هو من باب «كادَ المُريبُ أنْ يَقُولَ خُذُوني».

إنّ الإرهاب هو خَطَرٌ حقيقي ويهدّد كلّ المجتمعات وعنوانه في الخارطة الدولية والوطنية واضحٌ تنفيذاً وتمويلاً.

وإنّ أجندة الإرهاب هي بالتأكيد مرتبطة بمصالح قوى إقليمية ودولية، ولكنّ الأخطر هو تداعيات هذا الإرهاب في داخل كلّ بلد، ومدى استفادة بعض الأطراف السياسية والحزبية من هذه العمليات الإرهابية.

الأخطر من الإرهاب هو حواضن الإرهاب في كلّ بلد، والأخطر من الإرهاب هو تبييض الإرهاب، وهو ما يدفعنا إلى القول بأنّ الحرب ضدّ الإرهاب تُخاضُ أساساً داخل كلّ بلد، وهي بالضرورة حرب الدولة والمجتمع ضدّ الجماعات التي تقتصر أجندتها في المرحلة الأولى على تدمير هذه الدول والمجتمعات.

أليس هذا هو محتوى رسالة الإخواني السوداني حسن الترابي إلى رئيس حركة «النهضة» راشد الغنّوشي في أكتوبر 2011، إذْ نصحه بتأجيل برنامج أخونة المجتمع والتمكين، و«البدء فوراً بتدمير الدولة»، لأنّه في تقدير وحسابات «الإخوان» لا إمكانية لنجاح مخطّطاتهم إلّا بالقضاء المبرم على الدول وتفكيك مؤسّساتها.

إنّ الإرهاب هو الآلية الرئيسية لتفكيك الدول، لذلك فهو يمثّل خطراً وجب التصدّي له، وإنّ تبييض الإرهاب هو أخطر لأنّه يبرّر هذا الإرهاب ويمهّد له سُبُلَ النجاح، لذلك وجب اقتلاع هذا الخطاب والسلوك التبريرييْن من جذورهما، ووجب تحميل كلّ هذه الأطراف المُهادِنَةِ للإرهاب وللإرهابيين، المسؤولية السياسية والقانونية عند الاقتضاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات