الهجرة والمهاجرون تحوّلات زمن الوباء

تفشي وباء «كوفيد 19» وتحوله إلى جائحة عالمية أضاف مزيداً من الزيت إلى التناظر المشتعل، وبخاصة على ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية، بشأن اتجاهات ظاهرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية وأوضاع المهاجرين ومصائرهم في الحال والاستقبال.

بعيد الاعتراف بوجود الوباء واستجلاء خارطة انتشاره بشكل أولي في الشتاء والربيع الماضيين، تبين أنه يتمركز أكثر ويستفحل في جنوب القارة الأوروبية ويتمدد إلى شمالها. وعليه، ثارت التوقعات بأن شواطئ اليونان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا والجزر القريبة منها، سوف تفقد جاذبيها بالنسبة لراغبي الهجرة واللجوء. ولاقى هذا الاستنتاج استحساناً وأنصاراً بالنظر إلى إغلاق الأوروبيين لموانئهم والتشدد في خفارة سواحلهم ومراقبة زوارق المهربين، وصولاً إلى منع معظم سفن الإنقاذ من أداء مهماتها الإنسانية.

وعطفاً على البيانات التي أظهرت أن مجتمعات العالمين الثالث والرابع أقل تأثراً بالوباء، افترض البعض حدوث تراجع كبير في أعداد المهاجرين إلى عالم «الشمال الموبوء»، فضلاً عن إمكانية نشوء نزوع لدى قطاعات من قدامى المهاجرين للعودة إلى أوطانهم الأم.. إذ إن أحداً لا يرغب في الهروب من وطن يعاني فيه من الفقر والجوع وقلة القيمة، إلى بلاد يلقى فيها حتفه المؤكد بالمرض والإهمال الطبي؛ هذا إن بلغها حياً.

لسنا هنا في مقام التيقن من صحة الاعتقاد بأن عالم الجنوب كان، أو ما يزال، أقل عرضة لمنجل الوباء اللعين. ربما كانت البيانات القائلة بذلك مغلوطة تماماً، بسبب غياب الشفافية أو تعمد إخفاء الحقائق أو الافتقار لأدوات التعامل العلمي الرصين مع الظاهرة.. ما يعنينا أكثر هو تصور البعض بأن الوباء يندرج في زمرة العناصر الطارئة وغير المتوقعة، التي كان لها دور حاسم في تحول حلم الهجرة إلى كابوس، بما أدى إلى إعادة حساب الفرص والمخاطر لدى من يراودهم هذا الحلم نظرياً، وأيضاً عند من سبقوا إلى تطبيقه عملياً.

تقديرنا أن هذا التحليل، الذي يصنف الوباء ضمن الكوابح الجوهرية لاستمرار سيل المهاجرين الجدد وتفكير المهاجرين القدامى في العودة من حيث أتوا، يفتقد للوجاهة وأنه لن يمر وقت طويل قبل أن ينتهي إلى الضمور والانزواء أو حتى الأفول تماماً. الرأي الأكثر رواجاً ومعقولية بين المعنيين في الوقت الراهن، أن المستقبل القريب جداً، سوف يشهد تدفق موجات واسعة النطاق من الهجرة والمهاجرين، وسيجري ذلك بحيثية مطردة ومتوازية مع تخفيف القيود المفروضة على التنقل وفتح الحدود جزئياً أو كلياً على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية. يقول جان تشاباجين، الأمين العام للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بأن «الآثار الاقتصادية المدمرة للوباء، كإلغاء الوظائف والأعمال وتقييد التجارة، وإجراءات الحجر وإغلاق الحدود، ستدفع الملايين حول العالم أكثر فأكثر تحت خط الفقر. ولا يجب أن نفاجأ بتقاطر المهاجرين فور فتح الحدود».

لا يبتعد أنطونيو فيتورينو، مدير عام المنظمة الدولية للهجرة، عن هذا التوقع، لكنه يعزز وجهة نظره بأسباب تبدو مثيرة للدهشة، موجزها أن «مجتمعات البلدان المتقدمة، أدركت أهمية المهاجرين ودورهم في استمرار عجلة بعض الأعمال رغم وجود الوباء. وفي دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، تراوحت نسبة المشاركين في الصفوف الأولى للعمال الصحيين في مكافحة الوباء ما بين %30 و%50 من المهاجرين. هذا علاوةً على أن كثيراً من هذه البلدان تعرضت لخسائر، لانقطاع العمال الموسميين جراء الإغلاق المطبق أمام المهاجرين».

والحال كذلك، يبدو أن مجريات وقائع زمن الوباء أدت إلى شيء من التحول، الفارق إيجابياً، في رؤية قطاعات مهمة داخل المجتمعات المتقدمة لدور الهجرة والمهاجرين. لقد ثبت أن هؤلاء الأخيرين يمثلون شريحة لا غنى عن وجودها لسيرورة دولاب بعض جوانب الإنتاج، ولعل الحاجة إليهم تبقى أكثر إلحاحاً بالنسبة لقطاع الخدمات، دون استثناء الصحي منها. ولأن تحويلاتهم المالية إلى ذويهم تؤثر بقوة في اقتصادات دولهم الأم، فإنهم تقريباً يمارسون همزة وصل بين اقتصادات أهل الشمال وأهل الجنوب. الشاهد أن الوباء أظهر بجلاء أن نمو حركة الهجرة والمهاجرين في العقدين الأخيرين، هو من توابع وتجليات العولمة الاقتصادية غير القابلة للقطيعة بشكل مفاجئ. غير أن هذا لا يحول دون الاجتهاد في تنظيم هذه الحركة، وتنظيفها من سوءات العشوائية، وحمايتها من المتاجرين بكرامة البشر، وأحياناً بحياتهم.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات