حكاية حُسن السير والسلوك

أفاقت الهند على فاجعة جديدة وغريبة، وذلك عندما انطلق سائق سيارة إسعاف بفتاة تبلغ من العمر 19 عاماً، إلى المستشفى بولاية كيرالا وذلك بعد أن «ثبتت إصابتها بفيروس كورونا المستجد» (كوفيد 19)، حتى الآن الأمر طبيعي. غير أن الفاجعة حدثت حينما ترجل قائد الإسعاف (27 عاماً) من مركبته نحو الفتاة، في جوف الليل، لينزع عنها أجهزة الوقاية الشخصية، ويغتصبها داخل سيارة الإسعاف، وذلك يوم السبت الماضي في حادثة يندى لها الجبين. وهددها بعدم الكشف عن الواقعة، ولكن الفتاة أبلغت عنه السلطات فور وصولها إلى المستشفى.

الشرطة كشفت أن سائق الإسعاف، كان لديه سجل بقضايا جنائية عدة. والطامة أنه لم يقدم شهادة حسن سير وسلوك وخلوه من السوابق لدى التحاقه بوظيفته. وزير الصحة وصف الهجوم بأنه «مروع» و«غير إنساني» حسبما ذكرت البيان.

الإنسان خطاء بطبعه، غير أنه في بيئات العمل جرى العرف أن يمتنع المرء عن ممارسة ما يشين، لأنها مصدر رزقه وسمعته. ولذلك قبل أن يقبل أحد في أي وظيفة فإن إحدى خطوات التوظيف تتمثل بتزويد المنظمة شهادة حسن سيرة وسلوك. وفي مجالس الإدارات كان يطلب منا في دول الخليج، خلو الصحيفة الجنائية من أي سوابق، لأنك مؤتمن على أموال الناس.

وقد يسأل سائل، هل تمنع ورقة صغيرة حوادث سرقة أو اختلاس أو خيانة أمانة؟ بالطبع لا، غير أننا تعلمنا في علم الإحصاء نظرية الاحتمالات التي يمكن أن تخفض شيئاً من المخاطر. وتشير فكرة الاحتمالات إلى أمور عديدة، ومنها أنك إذا حاولت مرات عديدة، فإنك على الأرجح قد تصل إلى هدفك باحتمالية أكبر ممن لا يبذل جهداً يوازي جهدك.

والعكس صحيح، إذا ما قللت المخاطر (مثل عدم تعيين موظفين لا يحملون شهادة حسن سير وسلوك)، فإن احتمالية أن يقع مكروه مرتبط بخيانة أمانة أقل من الحالة التي لا نكترث بها بشهادة حسن سير وسلوك، كما حدث مع سائق الإسعاف.

وللأسف الشديد، فإن هذه الشهادة، رغم أنها مذكورة في قوانين ولوائح عديدة في القطاع العام أو الخاص، إلا أن البعض لا يأخذها على محمل الجد. فبعض المؤسسات الكبرى تظن أن نظام الحوكمة الصارم والرقابة الداخلية كفيل بكشف أي تلاعبات. وهو اعتقاد لا يحمل الكثير من الصحة، فمعظم السرقات الكبرى حول العالم، وخيانات الأمانة قد حدثت في ظل وجود أنظمة تدقيق مهنية.

وكشخص ترأست لجان التدقيق المنبثقة من مجالس الإدارة، رأيت بنفسي آلية عمل اللجان. وشاهدت عن كثب عمل بعض الجهات الرقابية الحكومية في المنطقة العربية، هي في الواقع تنتقي عشوائياً عمليات لتتأكد من مطابقتها للوائح والقوانين. أحياناً تفلح في كشف الفساد، ولكن المحترفين كثيراً ما يستطيعون أن يجدوا مثالب في اللوائح والقوانين.

ولو تأملت أكبر الأحداث التي تتصدر الصحف لوجدت أنها حدثت في بيئات مهنية لم تتوقعها. وأذكر أن مسؤولاً عربياً رفيعاً قد جمع ذات يوم كل رؤساء الجهات الرقابية في بلاده، وقال لهم ما معناه: هل يمكن أن أسألكم لماذا نرى الفساد منتشراً رغم أن لدينا أكثر من 12 جهة رقابية في البلد؟

وأبدى استعداده لوضع يده بيد هؤلاء لمكافحة الفساد، الذي في نهاية المطاف يأتي من أصحاب السوابق، الذين لم نبذل جهداً كافياً في كشف صحائفهم فور توليهم المناصب. وربما كان سبب هذا الأمر أيضاً تراخياً في دور الجهات الرقابية والإدارات والجهات التنفيذية.

في عالم الاستثمار، قبل أن ندخل غرف المعلومات «data-room» للشركة المراد شراؤها، نبدأ بمرحلة البحث والتقصي، لكشف ما إذا كان من نتعامل معه كشركة أو كفرد لديه سوابق أو قضايا خطيرة. وليست قضايا عادية مرتبطة بحقوق والتزامات تقليدية لا يخلو منها «بزنس». هنا يرتفع العلم الأحمر أمام ناظرينا ونشم رائحة مريبة قد تقودنا إلى قرار التوقف عن المضي قدماً في الاستثمار.

خلاصة القول، الناس ليسوا ملائكة وهم عرضة لأهواء وتقلبات. ولذلك كان من المهم أخذ الصحيفة الجنائية وحسن السير والسلوك للفرد والسجل النظيف للمؤسسات كمؤشر أولي يمنحنا الضوء الأخضر للمضي قدماً في التعاون المنشود، مع ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية حفظاً للحقوق والسمعة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات