«كورونا» ومفهوم الأمن الوطني

يبدو أنه لم يعد هناك مجال لأي دولة الهروب من تأثيرات جائحة فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد19). فبعد تداعيات هذا الفيروس على حياتنا اليومية، بدأ الأمر ينتقل إلى إعادة تنظيم طبيعة عمل المؤسسات الحكومية التقليدية، بما فيها طبيعة عمل الأجهزة الأمنية للدول.

 

مناسبة هذا الكلام أن الحكومة البريطانية أعلنت، مؤخراً، على لسان وزير الصحة، مات هانكوك، عن إلغائها لهيئة الصحة العامة البريطانية، الجهة التي كان البريطانيون يتفاخرون بها باعتبارها المنظم الرئيسي لكل ما يخص الجوانب الصحية في البلاد.

كما أعلن، هانكوك، في الوقت نفسه عن إنشاء هيئة جديدة، يتركز دورها الأساسي في الجانب الوقائي الصحي، والتصدي لأي تهديدات صحية خارجية تستهدف بريطانيا، سواءً كانت تلك التهديدات الصحية متعلقة بالأسلحة البيولوجية أو الأوبئة وعلى رأسها الأمراض المعدية.

التعديلات البريطانية الجديدة في طبيعة مهام الهيئة العامة للصحة، باعتبارها أحد مخرجات فيروس «كورونا»، والتي نعتقد أنها لن تقتصر عليها فقط، تذكرنا (تلك التعديلات) بما تم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001، عندما تغير مفهوم الأمن الوطني للدول، واتجهت الأجهزة الاستخباراتية في المؤسسات الأمنية في العالم نحو التركيز على مراقبة التهديدات الإرهابية في العالم، ومن خلال التهديدات الفكرية لتنظيمات وجماعات معينة.

أما اليوم فإن تداعيات فيروس «كورونا»، خاصة في الجوانب الاقتصادية منها - هناك تأثيرات أخرى ربما ليست أولوية الآن - التي شلت العديد من الدول، وأدت إلى إفلاس العديد من الشركات العالمية، وهو ما يشير إلى أن حكومات الدول سوف تعيد أولوياتها الوطنية، بحيث تحمي نفسها من التهديدات الجديدة التي يبدو أن تأثيرات «كورونا» باتت مغرية لبعض الدول، باعتبارها نوعاً جديداً من الأسلحة الأكثر فتكاً والأقل تكلفة في الوقت الحالي.

سيفرض التهديد الجديد على حكومات العالم إنشاء أقسام تخصصية في وزارات الصحة، لها جوانب جمع معلومات المهمة الأساسية للقطاعات الأمنية والاستخباراتية.

فالوباء بات اليوم يمثل «عدواً من النوع الناعم» يهدد الأمن الوطني للدول، وبالتالي حالته أو مكانته لا تختلف، عن التهديدات الأمنية الأخرى من التأثيرات السلبية على مؤسسات الدولة، فحاله مثل حال الحروب السيبرانية التي دخلت حديثاً كمهدد جديد، كما أنه لا يختلف عن أسلحة التدمير الشامل من حيث إحداث الشلل في عمل الحكومات.

إن ظهور شخصية أمنية، وهو العقيد شان داي، الذي يشغل مدير المركز الوطني للاستخبارات الطبية الأمريكي - (الدولة الوحيدة في العالم التي لديها هيئة متخصصة في جمع المعلومات عن الأوبئة هي الولايات المتحدة) - على الملأ، بجانب أنه لفت انتباه الناس في العالم، فإنه بلا شك حافز ودافع رئيسي للدول الأخرى نحو التفكير في إنشاء أقسام أمنية للأوبة والأمراض المعدية.

وبالتالي إعادة هيكلة جديدة في الأجهزة الاستخباراتية للدول، لتكون بجانب المهام التقليدية؛ لأن التهديدات ما زالت قائمة، بل مع مرور الوقت، ستتكشف تهديدات جديدة، وهنا ربما يبدأ الحديث عن إدراج تخصصات طبية استخباراتية، أو إنشاء أقسام استخباراتية في وزارات الصحة.

لعل التسمية التي أطلقت على الفريق الطبي خلال أزمة «كورونا» والذي تحمّل العبء الأكبر في مواجهة الفيروس، وتعارف عليه الناس في كل دول العالم بأنه: «الجيش الأبيض» أو «خط الدفاع الأول» سيتحول إلى حقيقة واقعة على الأرض باعتبارهم جنوداً، ولكن أسلحتهم لن تكون تقليدية كالدبابات والطائرات والبنادق.

جائحة فيروس «كورونا» العالمية انتقلت من أزمة صحية طارئة، جيشت العالم كي يواجهها للقضاء عليه، إلى نوع جديد من الحروب المستقبلية تهدد الأمن القومي للدول.

وإذا كانت طبيعتها المفاجئة لكل الدول قد دفعت إلى تعاون الجميع، إلا أنها في المستقبل ستكون أحد الأسلحة التي تستخدمها دول ضد أخرى، وبالتالي لا يمكن أن نستبعد وجود جيش خاص بـ«كورونا» على شاكلة الجيش الإلكتروني، وسيكون هناك سيناريوهات وتقييمات استراتيجية تقدّم لصناع القرار السياسي، ولكن من خلال الأطباء هذه المرة.

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات