مُت فارغاً!

في كتابه «مُت فارغاً» يورد تود هنري قصة ألهمته تأليف كتابه ذائع الصيت، فأثناء اجتماع عمل سألهم المدير: ما هي أغنى أرضٍ في العالم؟، فبعضهم أجاب بأنها بلاد الخليج الغنية بالنفط، وآخر ذكر بأنها مناجم الألماس بأفريقيا، لكنه فاجأهم بقوله: «بل هي المقبرة». وأضاف موضحاً الجواب الذي أربك الجميع: «المقبرة هي أغنى أرض في العالم، حيث إن ملايين البشر دُفنوا وهم يحملون الكثير من الأفكار القيّمة التي لم تخرج للنور ولم يستفد منها أحد»!

سألتُ أحدهم ممن قال لي أنّه قرأه: «ماذا تعلّمت منه؟»، فرد قائلاً: «أن لا أموت وفي نفسي شيء أحبه ولم أفعله»، بالتأكيد من حقه أن يفكر بنفسه، لكنّ المجتمعات العظيمة لا تقوم على من لا يرى في الدنيا إلا رغباته وأهواءه، وفهمٌ مثل هذا لم يأتِ عبثاً والخوف أن يكون شائعاً، حينها سنحتاج للكثير من الجهد لتغيير هذه العقلية وإعادة تصويب بوصلة «المهم»، ليعلم كل شخص أنّ الأهم له قبل أن يموت هو ما يُقدِّمه لا ما يأخذه!

نحن في مرحلةٍ مفصلية من الزمن ولا بد أن يقف فيها الجميع لنضمن سلامة الطرح وكثرته، وفوق ذلك نشره، فما أكثر المثقفين لدينا والذين لم يتركوا لنا من ثقافتهم إلا المشاهد التأبينية ومدائح رفاق دربهم لهم بعد رحيلهم، وما أكثر الأكاديميين الذين قدموا أبحاثاً تفصيلية لا يفهمها إلا المتخصصون وأخذت منهم جهداً كبيراً وأوقاتاً طويلة، ثم غطّاها الغبار فوق الأرفف، أو في الأدراج المنسية، وكم من عالم أو طالب علم انزوى وحيداً بدعوى البُعد عن الشهرة، فذهب بموته كل ما يعرف من خير دون أن يُنبِت بذرة خير لأهله ووطنه، متناسياً مجانبته لحديث سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم: «المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، خيرٌ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ»!

أنظر مِن حولي فأرى علماء الغرب يُعيدون تقديم النظريات الإدارية ومفاهيم علم الاجتماع والاقتصاد في قالب روائي خفيف على النفس، ويستطيع أن يستوعبه القارىء العادي لتعم الاستفادة بتلك النظرية أو ذلك المفهوم أكبر عدد ممكن من الناس، لذلك سبنسر جونسون وجون كوتر قرّبا نظريات فهم التغيير وطرق تقبل الناس لها في كُتابيهما «من حرك قطعة الجبن» و«جبلنا الجليدي يذوب»، وكين بلانشارد تكلم عن التميّز في إرضاء العميل من خلال كتابه «Gung Hu»، وتكلّم كوتر عن الروتين الذي يقتل الإبداع في بيئات العمل من خلال كتابه «هذا الشيء لا نقوم به هنا»، ولاقت هذه الكتب ومثيلاتها رواجاً هائلاً لأنها أنزلت الأكاديميين والخبراء من بروجهم العاجية إلى حيث يعيش البشر وكيف بالإمكان مساعدتهم في حياتهم اليومية بتلك النظريات والمفاهيم، والسؤال: ما الذي ينقصنا لتقديم كتيّبات مشابهة حتى نمكّن مجتمعاتنا من أدوات مهمة تُسهم في نهضة المجتمعات ككل وتُقصِّر الشُقّة بيننا وبين العالم المتقدّم؟

ليبدأ كل شخص بنفسه، فبإمكانك أن تبدأ بسلسلة تغريدات مفيدة، أو مدوّنة شخصية تضع بها معرفتك، أو بتصوير مقاطع فيديو قصيرة نافعة، تضع فيها ما استفدته من مجال «تخصصك» وما يمكن أن يُسهِم به من فائدة لأفراد المجتمع الذين سيطّلعون عليه، المهم أن يبدأ الجميع ولا نترك ذلك لأفراد قلّة فقط، فـ«مَطَرُ ساعة لن يُخرِج محصولاً»، كما تقول الحكمة القديمة!

وإن رأيت نفسك لست بذاك المتخصص في مجال، فلا أقل من أن تختار مقتطفات تحث على مكارم الأخلاق والأدب في عصرٍ رأينا فيه نَحْر الحياء جهاراً نهاراً، وأن تضع نصائح خيّرة أو طُرَفاً من قصص السابقين لكي نستدرك ما تبقى من أخلاقيات الحوار والخلاف بعيداً عن السقوط الأخلاقي للبعض في الردود التي يقرأها حتى الأطفال والتي يُخشى أن تُصبِح شيئاً «مقبولاً»!

لا فائدة من ثقافة الإنسان ومعرفته إن كان لا يستطيع الخروج من شرنقته، أو يزعم أنه يربأ بنفسه عن ألسنة الشانئين وشتائم السفهاء، فكل أمر عظيم يحتاج عزماً كبيراً وتحمّلاً للمشاق أكثر، والمشاق ليست جذع شجرة في طريق وإنما نشر وعي سليم، وكلمة خير رغم ما يلاقيه الإنسان من سوء أدب البعض أو محاولاتهم لكسره. لا تمت دون أن تبذر خيراً، لا ترحل دون أن تترك بصمة، لا تُغادر حاملاً معك علمك الذي تعبت عليه فلم يستفد منه أحد ولا حتى أنت ليُدفَن هو الآخر!

يقول تود هنري: «لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائماً أن تموت فارغاً».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات