إعادة التموقع في خارطة القوى العاملة

للجماهير طبيعة الوحش، فهي قابلة للتكيف، والمجتمع الذي يفقد قابلية التأقلم مع المتغيرات، يخرج من دائرة البقاء، فالبقاء لم يعد، كما تعلمنا من منطق الغابات، للأقوى، ولكنه في عصر المعرفة لمن يملك القدرة على التأقلم مع المتغيرات، ولمن له قابلية التكيف مع التحولات.

لقد حقق العالم نجاحاً كبيراً على صعيدين، الأول تطور التكنولوجيا أداة النظام المعرفي، والثاني قدرة المجتمعات على التأقلم مع هذه التطورات.

وفرض النظام المعرفي العالمي تغييرات جذرية في البنى التحتية لمنظومة القيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأكثر من ذلك، بل إنه صنع قالباً معرفياً وثقافياً ذا مظهر حداثي، ثم فرض على العالم أن يقبل الأنصباب فيه والانصهار بمعطيات الثقافة العالمية الجديدة، وبدلاً من فكرة الثقافة العالمية الواحدة التي فرضتها أيديولوجيات العولمة، وظل وجودها كفكرة غير قابلة للتحقق، أي أن كل ثقافة من ثقافات العالم تزاوجت مع ثقافات أخرى لكنها لم تنصهر كلياً في عملية التزاوج، وصار هناك عملية إنجاب للمخلوق الثقافي الثالث الذي نتج عن عملية التزاوج والاندماج، لكن لم تفقد أي من الثقافات هويتها، بدلاً من تلك الفكرة جاء النظام المعرفي العالمي بثقافة جديدة تفرضها أدوات هذا النظام ومظاهره، وأهمها التكنولوجيا.

لقد فرضت مظاهر التكنولوجيا إعادة هيكلة وتخطيط لخارطة القوى العاملة من حيث الآليات الجديدة لمنظومة الأعمال، وإعادة تشكيل وصياغة لهوية المهن والوظائف، وبعد أزمة «كورونا»، زادت عملية التسويغ لمفاهيم جاءت بها مظاهر التكنولوجيا، لكن من دون أن يكون لها استيعاب في المجتمعات في بداية الأمر أو استساغة، ومن ذلك نمط «العمل عن بُعد» و«التعليم عن بُعد».

في بدايات أزمة «كورونا» التي أعتبرها أزمة لإنتاج التحول أكثر من كونها أزمة وباء، فقد الكثير من الناس أعمالهم ووظائفهم وأموالهم المستثمرة في محافظ الأسهم، والتي أمضوا وقتاً طويلاً من حياتهم لتحقيق الحصول عليها أملاً في حياة مستقرة اقتصادياً تؤمن حياتهم، وبدأ الذعر يسود العالم، ثم بدأت الغيوم السوداء تتلاشى، وشبح المخاوف، الذي ساد طويلاً، بدأ يختفي، وحدث ذلك عندما بدأ التفعيل لآليات النظام المعرفي العملية التي وفرتها مظاهره وأدواته، وأخذ الكثير من الناس يتكيفون مع التفعيل ويمارسون أعمالهم القديمة بمظهر جديد مواكبين التحولات التي فرضها التفعيل لمنظومة النظام المعرفي العالمي، وهي آليات لم تكن غير موجودة أو فرضتها أزمة «كورونا»، بل هي موجودة من قبل، ولكن أزمة «كورونا» أظهرتها على السطح، وفرضت تفعيلها، وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لجميع القوى العاملة في العالم، حيث سيكون لزاماً عليها إعادة التموقع في الخارطة الجديدة للمهن والوظائف، وسيكون الأكثر قدرة على التكيف مع الآليات الجديدة في المواقع الجديدة في خريطة الأعمال والمهن والوظائف، هو الأجدر بالبقاء، ومن لا يستطيع التقبّل سيتم إفرازه إلى خارج هذه الخارطة التي تم تحديثها.

المواكبة والتكيّف والتأقلم وإعادة التمركز في خريطة الأعمال والمهن والوظائف، يفرض على جميع القوى العاملة إعادة صياغة لأدواتهم من خلال عملية تحديث وإعادة تأهيل لمهاراتهم بما يتوافق مع الشكل الجديد لمنظومة الأعمال والمهن والوظائف.

الحياة ستمضي بمن يملك الإرادة وبمن لا يملكها، لكن من سيتم حجز المقاعد المتقدمة لمن هم الأقوى رغبة والأكثر قدرة على التكيف مع المعطيات الجديدة للحياة.. وللحديث بقية.

* خبيرة اقتصاد معرفي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات