الأوزان النسبية للتيارات السياسية الأمريكية

ما يجري حتى الآن في المعركة الانتخابية للرئاسة الأمريكية يكشف عن تحوّل حقيقي في أحجام القوى والتيارات المختلفة وأوزانها النسبية، وهو تحول سيفرض نفسه بالضرورة على نتائج تلك الانتخابات.

فطوال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، كان المتعارف عليه أن الأحزاب الأمريكية بمثابة مظلة واسعة تضم قوى وتيارات مختلفة، يعبر الحزب عن مصالحها أو على الأقل عن أحد أهمها، فتعطيه أصواتها حتى ولو رفضت بعض مواقفه؛ لأنه يظل في النهاية أفضل لمصالحها من الحزب الآخر. وكان المتعارف عليه أيضاً أن الوسط السياسي هو الذي يحسم نتيجة الانتخابات الرئاسية.

ففي نظام الحزبين، يحتاج كل منهما لجذب قطاع من ناخبي الحزب الآخر ليحقق الفوز. وهؤلاء الناخبون يكونون بالضرورة في الوسط السياسي عموماً، أي يمين الوسط في حزب اليسار، ويسار الوسط في حزب اليمين.

لكن النصف الثاني من التسعينيات مثّل مرحلة جديدة صار فيها الاستقطاب السياسي أحد ملامح السياسة الأمريكية. صحيح أنه شهد بعض التعاون والرغبة في الوصول لحلول وسط توفيقية، إلا أن ذلك الاستقطاب راح يزداد حتى صار أكثر حدة مع تولي أوباما، ثم وصل لذروته بوصول ترامب للرئاسة.

لكن لعل أهم ملامح الاستقطاب في عهد ترامب هو طبيعة التحول في التيارات التي صار يضمّها كل حزب. فلم يعد هناك وزن للذين كان يطلق عليهم «المعتدلين الجمهوريين»، وانقرض التيار الذي كان في أقصى يساره. أما التيار المهيمن اليوم، فهو التيار الذي كان فيما سبق هامشياً، في أقصى يمينه، أي تيار القومية البيضاء. فهو من التيارات التي لم تسيطر يوماً على الحزب طوال القرن العشرين.

وكانت قيادات التيارات الرئيسية للحزب تسعى دوماً لتهميشه وإدانته لئلا يؤثر على مقدراتها. صحيح أن بعض رموزه كانت تصل لمواقع سياسية مختلفة، لكن الحزب كان يقدمها باعتبارها تمثل يمينه وحسب، لا تيار القومية البيضاء. والدليل على ذلك كله أن زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ في التسعينيات، ترنت لوت، اضطر للاستقالة حين استخدم خطاب ذلك التيار.

وتيار القومية البيضاء توجد بداخله قوى متعددة بدءاً بأنصار التفوق الأبيض ووصولاً للميليشيات المكونة من مدنيين يحملون السلاح. وهناك توافق وتداخل بين قوى هذا التيار وتيار اليمين الأصولي بخصوص بعض القضايا. وهذان التياران، معاً، يقعان في الجوهر من قاعدة ترامب الانتخابية. لكن الأهم من ذلك، هو الموقف من هذا التيار من جانب رموز الحزب الجمهوري من غير المنتمين له.

فرموز الحزب تعلم جيداً أن قوى عدة تنتمي لهذا التيار كانت تعطى أصواتها فعلاً للحزب الجمهوري منذ سبعينيات القرن العشرين عندما يستخدم مرشحو الحزب لغة شفرية بخصوص المسألة العرقية، يفهمها هذا التيار جيداً. ويدركون أيضاً أن الجديد الذي قدمه ترامب كان أن تخلى عن تلك اللغة، وصار يستخدم خطاباً صريحاً في عدائه للأقليات.

وقد كان واضحاً من المؤتمر العام للحزب الجمهوري أن الحزب قد سلَّم الراية بالكامل لذلك التيار. فهو تخلى عن كتابة برنامجه العام في سابقة هي الأولى من نوعها منذ بدء العمل بنظام الانتخابات التمهيدية. فكتابة البرنامج كانت دوماً عملية مضنية من التوفيق والمساومة بين تيارات الحزب ليعبر في النهاية عنها جميعاً أو على الأقل يعكس أوزانها النسبية. وبذلك، صارت أجندة القاعدة الانتخابية لترامب هي برنامج الحزب.

أما الحزب الديمقراطي فقد هيمن اليوم عليه بالكامل تيار يمين الوسط، بينما يظل التيار التقدمي، تيار ساندرز وإليزابيث وارين، على هامش الحزب، بينما للتيار الليبرالي نفوذ محدود. لكن الأخطر من الوزن النسبي لتيارات الحزب، هو موقفه من قضايا السود. فسود أمريكا من القوى الأكثر ولاءً للحزب، عند التصويت.

لكن الحزب منذ انتخاب كلينتون 1992، راح يتبع استراتيجية تتعامل معهم باعتبار أصواتهم مسلماً بها، كونهم يجدون الحزب الجمهوري خطراً على مصالحهم، الأمر الذي يعني أن يركز الحزب على مصالح يمينه لا عن السود. والتوازن داخل الحزبين، يكشف عن أن المسألة العرقية في الجوهر أصلاً من الاستقطاب السياسي.

* كاتبة مصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات