قوة المنطق وشجاعة القرار

تؤسس معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية، التي تم الإعلان عنها في 13 أغسطس، لبداية مرحلة جديدة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي عامة، والقضية الفلسطينية خاصة، تقوم على إعلاء قيمة الحوار والتواصل المباشر البناء كمدخل لتسوية هذا الصراع المستمر منذ أكثر من سبعة عقود بالطرق السلمية، وبما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويحقق طموحات شعوب المنطقة في الاستقرار والرفاهية والسلام، بعد أن أثبتت تجربة السنوات والعقود الماضية أن غياب هذا التواصل المباشر لم يؤدِ فقط إلى تعثر مسيرة التسوية السلمية، بل ساهم أيضاً في تعقيد المشهد الصراعي في المنطقة برمتها، والتآكل المستمر في حقوق الشعب الفلسطيني، التي كادت أن تنتهي تماماً، مع اتجاه إسرائيل إلى ضم أراضٍ واسعة من الضفة الغربية إليها، لتقضي بذلك على أي فرصة لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وهو التوجه الذي أوقفته معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية.

لقد أرادت الإمارات، من خلال قرارها الشجاع والحاسم، بالدخول في علاقات كاملة مع دولة إسرائيل، أن ترسم نهجاً مختلفاً للتعامل مع هذا الصراع المستمر، والذي يعد أصل كل صراعات وتوترات المنطقة.. نهجاً يقوم على التواصل المباشر والبناء، وتأسيس روابط مصلحية مشتركة، تمثل أساساً لعلاقات إيجابية تفتح المجال، ليس فقط لتسوية القضية الفلسطينية واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ولكن أيضاً لتحقيق السلام في المنطقة برمتها بما يسمح لدولها وشعوبها بالتركيز على تحقيق التنمية والازدهار لشعوبها.

لم يكن اتخاذ هذا القرار الإماراتي بالسهل، في ظل توقع شعارات التخوين والتخويف التي يرفعها بعض المنتفعين من القضية، الذين لا يهمهم مصالح الشعب الفلسطيني، وإنما يستغلون قضيته العادلة في تحقيق مصالحهم الضيقة أو أجنداتهم الخبيثة. لكن قوة المنطق والحجة لدى الإمارات وقيادتها الرشيدة، وحرصها على تحقيق الخير والازدهار والسلام للشعب الفلسطيني الشقيق، ولكل شعوب المنطقة، لم يجعلها تتردد في اتخاذ هذه الخطوة الجريئة والحاسمة التي تتماشى مع سياسة الإمارات، بشكل عام، الداعية إلى تعزيز قيم التسامح والسلام والعيش المشترك.

لقد تعودنا من قيادتنا الرشيدة، حفظها الله، مثل هذه القرارات الحاسمة والشجاعة عندما يتعلق الأمر بمصالح الدول والشعوب، لذا جاءت أغلب ردود الفعل العالمية والعربية مرحبة بهذا القرار الشجاع، ومتفهمة لمنطقه وحجته القوية، ومؤمنة بصدق الرغبة الإماراتية في تحقيق السلام والازدهار لكل الأطراف، لأنها بحق قوة سلام وتنمية وازدهار في المنطقة والعالم.

ولا يعكس القرار الإماراتي تحولاً استراتيجياً في موقف الإمارات من القضية الفلسطينية، فهذا الموقف الداعم للشعب الفلسطيني، والمدافع عن حقوقه المشروعة، هو نهج ثابت وراسخ في سياسة الإمارات منذ عهد المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ولكنه يشكل تحولاً استراتيجياً في طريقة التعامل مع ملف القضية، وكيفية استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وتسوية قضية الصراع العربي - الإسرائيلي برمتها، بالانتقال إلى أسلوب الحوار المباشر البناء، بعد أن أثبتت العقود الماضية أن عدم التواصل لن يؤدي إلا إلى مزيد من الصراع وضياع مزيد من الحقوق الفلسطينية المشروعة، وإبقاء هذه القضية وسيلة للتنفع من قبل البعض على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، ومبرراً تستفيد منه الجماعات الإرهابية والقوى المثيرة للتوتر في تنفيذ أجنداتها الخبيثة تحت شعارات براقة لا تهتم بالحقوق المهضومة لهذا الشعب.

إن معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية ستؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط برمتها، شعارها الأساس، هو تحقيق الأمن والاستقرار والرفاه لجميع شعوب المنطقة، واستعادة الحقوق المشروعة للفلسطينيين من خلال التواصل الإيجابي المباشر مع الجانب الإسرائيلي، وهو نهج سيتعزز أكثر مع اقتفاء دول أخرى في المنطقة لأثر هذا النهج الإماراتي الحكيم.

* كاتبة إماراتية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات