بعد «كورونا».. نظام دولي تضامني

لم تمنع الحالة الصحية العالمية بسبب جائحة «كورونا»، التي أفرزت العديد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية أصابت الجميع، من استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ممارسة سياساته الانعزالية للولايات المتحدة التي تركتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالتالي تقليص دور الدولة العظمى في العالم، واهتزاز هيبتها في كل عناصر القوة التي جعلتها لتحتل هذه المكانة مثل، القوة الدبلوماسية، والقوة العسكرية، إلى أن وصل الأمر، مؤخراً، للمساس بحرية التعبير من خلال التهديد بإغلاق منصة «تويتر»، التي يستخدمها أغلب السياسيين، وعلى رأسهم ترامب نفسه، في التعبير عن التوجهات السياسية لبلادهم.

هذه الاستمرارية المقصودة من الإدارة الأمريكية، ستؤدي إلى تآكل الدور الدولي الأمريكي على المدى البعيد، ليس فقط في مناطق جديدة محل تنافس دولي، مثل سوريا وليبيا بينه وبين الصاعدين الجدد في الساحة الدولية مثل روسيا، التي يبدو أن الوضع مغرٍ لها في الحصول على موطئ قدم في المنطقة، تحقيقاً لحلمها القديم في الوصول إلى المياه الدافئة.

وكذلك الصين التي ما زالت تطبق «دبلوماسية السلحفاة» القائمة على الصبر الطويل في تحقيق الهدف الاستراتيجي لها في العالم، وإنما الأمر سيطال مناطق نفوذ تقليدية للولايات المتحدة مثل أوروبا، التي هي واحدة من المناطق المغرية للصين.

أما منطقة الشرق الأوسط فيبدو أن تآكل الدور الأمريكي أسرع بسبب العقود التي توقعها الصين مع هذه الدول، والمفاجأة لم تكن في الاتفاقية الاقتصادية مع العراق في بداية هذا العام، وإنما مع حليف أمريكا الاستراتيجي في المنطقة، إسرائيل، بالإعلان عن نيتها في توقيع اتفاقية لتحلية المياه مع الصين، والتي فاجأت مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، الذي كان زار إسرائيل في 13 مايو الماضي، معبراً عن استيائه من الخطوة الإسرائيلية، مع أنه بالنظر إلى الأمر بواقعية سياسية، فإنه يفترض أن يكون طبيعياً في ظل سياسات الإدارة الأمريكية المتراجعة في الحفاظ على العلاقات مع دول المنطقة.

ومع أن دونالد ترامب أطلق حملته الانتخابية للفترة الرئاسية الثانية قبل عام من الآن، وحملت شعار «اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً»، إلا أنه بتقييم سلوكياته، سنجد أنه لم يكسر فقط كل القواعد الدولية التي جعلت من الولايات «القوة الخارقة» بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، والقائمة على اتباع السياسات التدخل في الأزمات الدولية، والعمل على ضبط إيقاع السياسة العالمية في الملفات التي تحتاج إلى إعادتها إلى دائرة النظام مثلما حدث في: احتلال الكويت، وأزمة البوسنة والهرسك.

بل إن نزاعاته، التي لا ترقى في أحيان كثيرة، إلى مستوى رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة مع مسؤولي الشركات، وإثارته للنزاعات بين الناس، وإطلاق مفردات لا تخدم الوحدة الأمريكية، عندما وصف المحتجين على قتل مواطن أمريكي أسود بأنهم «عصابات مافيا» بدلاً من أن يوجه بمراجعة القوانين التي تعطي الشرطة حق ارتكاب مخالفات تصل إلى حد قتل مواطن، هذا كله يؤدي إلى الانحدار الدولي للولايات المتحدة، لأن كل ما يفعله حقيقة وباعترافه هو نفسه «مشاركة دولية أقل للولايات المتحدة»، وهذا معناه في الاستراتيجية الدولية، الفراغ السياسي.

وبما أن الفراغ في السياسة يؤدي إلى من يقوم بملئه، فإن الصين تحاول تحويل الفراغات التي تتركها واشنطن إلى «كروت سياسية» رابحة لها، حيث تقوم بدور في مساعدة دول العالم ومنظمة الصحة العالمية، ليس فقط لتغطية الفراغ، وإنما من أجل تقديم نفسها كبديل للولايات المتحدة والإحلال مكانها.

لكن تبقى الصين بالنسبة لباقي دول العالم، دولة غير واضحة وغير شفافة بشأن كيفية إدارتها للنظام العالمي، ومدى مصداقيتها، خاصة بعد الاتهامات بأنها تقف وراء ما يشهده العالم تداعيات كارثية بسبب فيروس «كورونا».

إن ما أظهرته أزمة «كورونا»، وقبلها أزمة الإرهاب الدولي والتطرف، فإن مستقبل الأزمات القادمة التي سيواجهها العالم، لن تكون بنفس طبيعة الأزمات التقليدية التي كانت تحدث بين الدول، وعليه فإن تلك الأزمات ستكون بحاجة إلى مشاركة المجتمع الدولي لمواجهتها. من هنا فإن التوجه المأمول بعد أزمة «كورونا» هو وجود نظام دولي قائم على التضامن الدولي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات