عندما تقف «الديمقراطية» على رأسها!

إنّ تاريخ الشعوب والحضارات يؤكّد أنّ التغييرات والتطوّرات التي تشهدها المجتمعات والدول لا تترسّخ في محيطها إنْ هي كانت عمليات مُسقطة ولَم تكن إفرازاً لحراك فعليّ داخلي خضع إلى قواعد تطوّر المجتمع.

وإنّ ما عاشته المنطقة العربية منذ سنوات ترجع إلى تسعينيات القرن الماضي يدلّل بشكل قاطع أنّ المسألة الديمقراطية هي المدخل الأساسي لكلّ محاولات ومساعي التغيير التي عاشتها المنطقة، ذلك أنّ النقص الفادح في الديمقراطية هو البوّابة والثغرة التي تسلّل منها أعداء الأوطان من أجل إخضاع القرار الوطني إلى إرادة الآخرين، وأضحت مجتمعاتنا فريسة سهلة لكلّ المطامع الخارجية، وقد يكون حان الوقت لتقييم حصيلة عشر سنوات من عمر «الربيع العربي».

وحيث إنّ انطلاقة هذه الموجة الأخيرة كانت من تونس، وجب التطرّق إلى مآلات الأمور في هذا البلد الذي كان يُعتبر نموذجاً متفرّداً في محيطه الجغرافي والحضاري.

تعيش تونس اليوم أزمة سياسية كبرى جرّاء الفشل المزمن في تركيز حكومة قادرة على ممارسة السلطة، وحلّ الملفّات الاقتصادية والاجتماعية العالقة، وتوفير أسباب الكرامة للمواطن والعزّة للوطن، ورغم أنّ رئيس الحكومة المكلّف هشام المشيشي أعلن عن تشكيلة حكومته، وهو يسعى إلى توفير حزام سياسي لها يقيها الهزّات المحتملة، فإنّ الوضع لا يبدو أنّه يسير إلى انفراج قريب.

المشيشي ومن ورائه الرئيس التونسي قيس سعيّد يعتقدان بأنّ الأحزاب فشلت في إدارة الأزمة خلال العشرية الأخيرة، وبأنّ التحاذبات بينها عطّلت وتعطّل عمل أيّ حكومة قائمة على نظام المحاصصة بين أحزاب لا يربطها أيّ وِفاق برامجي أو فكري، وهو ما دفعه إلى الإعلان عن أنّ حكومته ستكون حكومة كفاءات مستقلّة.

وقد كان هذا الإعلان سبباً كافياً كي تنتفض الأحزاب ضدّ المشيشي وضدّ سعيّد، وهو أمْرٌ يبدو منطقياً لأن النُّظُمَ الديمقراطية قوامها الأحزاب، وهي لا تستقيم من دونها، لكنّ المدقّق في ما جرى في تونس وفِي غيرها من الأمصار التي أفاقت على ديمقراطية مُسْقَطَةٍ، ودون آليات تضمن ممارستها، يعاين بأنّ تونس كغيرها تعاني مِنْ أخطاء التأسيس.

وسواء تعلّق الأمْرُ بلبنان أو بالعراق أو بتونس، فإنّ كلّ شيء ابتدأ بدستور كان يُفترض له أن يُنَظِّمَ عملية ممارسة السلطة، ولكنّه تبيّن مع مرور الوقت أنّ هذه الدساتير، التي خيطت على مقاسات بعض الأحزاب والأطياف، لم تسهّل على دولنا ومجتمعاتنا ترسيخ النمط الديمقراطي، رغم وجود جلّ مظاهره الشكلية، وبَدَلَ أن يكون الانفراج اشتدّت الأزمة واستفحلت.

تعرف تونس نظاماً برلمانياً معدَّلاً ويُفترض أن تكون فيه كلمة الفصل للحزب الفائز في الانتخابات، ولكنّ الدستور يُفْرِدُ في المقابل رئيس الجمهورية بصلاحيات مهمّة، وهو أمْرٌ منطقي بحُكْمِ أنّ الرئيس منتخب بالاقتراع المباشر، ومن بين هذه الصلاحيات إمكانية تعيين رئيس حكومة من خارج الحزب الفائز في الانتخابات، وحتّى من خارج الأحزاب بشروط، وهي الوضعية التي تعيشها تونس اليوم.

عندما صدر الدستور التونسي سنة 2014 ارتفعت الأصوات عالية، معتبرة أنّه من أحسن دساتير العالم، نظراً للكمّ المهمّ من الحرّيات الفردية الذي تضمّنه، وتمّ التغاضي عن الإخلالات الكبرى في النظام السياسي الذي «بشّر» به.

إنّ ما تعانيه تونس اليوم، هو نتيجة منطقية لدستور غابت عنه وحدة المعنى، وكان ترجمة متناقضة المحتوى لإرادة أطراف ليس لها الحدّ الأدنى من الخبرة في الدولة، وفِي تسيير الشأن العام.

في تونس اليوم، نظام سياسي يقوم على الأحزاب، لكنّه يُمكن لحكومة أن تكون بلا أحزاب.

في تونس يحدث كذلك أن يكون رئيس الحكومة من خارج الأحزاب وغير منتخب من الشعب، ومع ذلك فهو يتمتع بالسلطة المطلقة بمقتضى الدستور، وسلطان مجلس نواب الشعب عليه ضعيف، بحُكْمِ تشتّت المشهد البرلماني، وفي المقابل وبالمقارنة فإنّ رئيس الجمهورية، الذي هو منتخب انتخاباً مباشراً، بلا صلاحيات تنفيذية، إلّا فيما ندر.

في تونس يوجد قانون انتخابي لا يسهّل على الفائز في الانتخابات أن يحكم، وهو ما يدفع باتّجاه توافقات متناقضة، وهي الثغرة الأساسية التي استغلّتها حركة «النهضة» الإخوانية من أجل بسط نفوذها على المشهد.

ولكلّ ما تقدّم، فإنّ الدستور التونسي هو الخطيئة الأولى التي أفرزت نظاماً سياسياً هجيناً تعلو فيه سلطة وصلاحيات المعيّن والمكلّف على سلطة المُنْتَخَبِ، وهي لعمري ديمقراطية تقف على رأسها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات