سبقناكم مرة أخرى

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام، عن تسجيل أول لقاح لفيروس كورونا، وقد اختار بوتين اسم «سبونتيك ڤي» للقاح، وهو نفس اسم أول قمر صناعي في العالم «سبونتيك 1» .

والذي أطلقه الاتحاد السوفييتي إلى الفضاء في أكتوبر من عام 1957، وهذه ليست مصادفة أو مجرد تيمن بالإنجاز العظيم، إنما هي رسالة مبطنة وكأن بوتين يقول للعالم أجمع ولأمريكا على وجه الخصوص «سبقناكم مرة أخرى».

عندما أطلق الاتحاد السوفييتي قمره الصناعي «سونتيك 1» حقق السبق على الولايات المتحدة في حربهم الباردة آنذاك، فالحرب الباردة ليست مجرد نزاع عسكري، وإنما أيضاً تفوق علمي وبحثي، وبعد أن غاب الاتحاد السوفييتي عن الإنجازات العلمية والبحثية والريادة في العلوم بمختلف أنواعها، جاءت الفرصة أمام روسيا لتظهر بمظهر منقذ البشرية بإيجاد لقاح لـ«كورونا» الذي أنهك العالم.

ما أنوي التركيز عليه هو أن الأمم تتصارع من أجل العلم، وأنها تتسابق لتضع بصمتها في كتابة التاريخ، فالقوة ليست قوة عسكرية فقط، وإنما هناك قوة لها ثقل كبير تكمن بالعلم والإنجازات غير المسبوقة، وهذا ما يسمى بالقوى الناعمة التي كثيراً ما تدعم الدول سياسياً وتكسبها معارك كبيرة من دون تحريك جندي واحد.

عندما أتى الرئيس الأمريكي إلى البيت الأبيض زاد من قيمة الأموال المقدرة لدعم المشاريع البحثية في علوم الفضاء، بعكس ما فعل الرئيس السابق باراك أوباما، الذي قلل كثيراً المخصصات المالية لوكالة «ناسا»، ولم يدعم أي مشروع للوكالة لاستكشاف الفضاء، ولكن لأن ترامب شعاره «أمريكا العظيمة» أراد أن يؤكد مكانة أمريكا في الحقول العلمية، وأن تبقى متصدرة المشهد في حرب الفضاء والعلم.

فهو يعلم أن أمريكا لن تكون عظيمة بقوة اقتصادها وقوتها العسكرية فقط، وإنما القوة يجب أن يكون لها جانب في المشاريع العلمية والبحثية وكتابة التاريخ في تنفيذ مهمات لم يسبق لأحد أن أنجزها.

العالم اليوم أصبح متطوراً كثيراً والسباق نحو التطور ملتهب جداً، وساحة المنافسة أصبحت كبيرة جداً، فالكثير من الدول تريد أن تأخذ حصتها من هذه الكعكة، ولن تتوانى الدول العظمى في استغلال أي مناسبة أو حدث لتفرض سيطرتها، أو على الأقل أن تستغل هذه الأحداث لتقول للعالم ها نحن سبقناكم، وتحقق المكاسب السياسية والاقتصادية من هذه الأسبقية.

وهذا ما يحدث اليوم في التسابق لإيجاد لقاح فيروس كورونا، ومن يصل له أولاً ستكون له الغلبة، والغلبة لن تكون على المستوى الاقتصادي، الذي ستكون فاتورة نجاحاته بالمليارات، وإنما أيضاً المكاسب ستكون سياسية، وهنا يكون العلم هو ما يخدم السياسة وهو ما يكسبها هذه المعركة.

إن العلم ليس حكراً على أي أحد، ولن تستطيع أي دولة في العالم أن تحتكر الإنجازات العلمية لحكوماتها وشركاتها وعلمائها، وإنما الباب مفتوح لكل مجتهد ولكل دولة تريد أن تصنع تاريخها مهما واجهت من صعوبات وحروب.

إن التنافس في العلم مفيد جداً لاكتشاف مجاهل هذا العالم، وتحسين حياة الإنسان بكامل ظروفها وحيثياتها، ولكن كلما اشتدت المنافسة، خرجت عن إطارها العلمي السلمي وراحت نحو الاستغلال للأغراض العسكرية.

سبقناكم مرة أخرى، هذا ما يجب أن يكون حال لسان المنظمات الدولية والأممية لتضع القوانين المنظمة للتطور العلمي والتكنولوجي، وأن تبين حدود المنافسة وشروطها لكي لا نستفيق في يوم لنجد دولة تتفوق على العالم في قدرتها على إبادته من دون قنابل أو متفجرات.

كما سمعنا وشاهدنا أن العالم كان قد استفاق في يوم من الأيام ليجد أن القنابل الذرية قد دمرت هيروشيما وناغازاكي، واليوم نسمع في كل وقت أن السلاح النووي الذي كان نتاج العلم والعلماء قد تحول لأخطر أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً.

رغم أن المنافسة بين الدول كبيرة، ولكن هذا لا يمنع من أن تدخل أي دولة في هذه المجالات، وتكتب بصمتها في الحقول العلمية، وتكسب معركتها هي الأخرى، فالعلم بات اليوم لمن يدعم العقول التي تكتشفه وتغوص في عوالمه، ولهذا تجد أن دولتنا دولة الإمارات قد قررت أن تستفيد من هذه الفرصة وتدخل بكامل ثقلها ليكون لها مكانة عالمية في هذا الشأن، فالإمارات العظيمة لن تأتي بيوم وليلة، إنما بتحقيق الكثير من الإنجازات العلمية والبحثية وهذا هو دربنا وهذا هو مسلكنا.

* كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات