نكبة الشعوب في أحزابها ونخبها السياسية

‏«جربناكم.. كانت في عمومها عشرية «النكبة» والعبث.. خراب للمستقبل.. رغم التحول الديمقراطي التاريخي». هذه الكلمات وردت في تدوينة على تويتر للسياسي والحقوقي التونسي سمير العبيدي، وهي كلمات تلخص إجمالاً الوضع في تونس ما بعد «الربيع العربي».

عشر سنوات من حكم كانت لحركة «النهضة» الإخوانية اليد الطولى فيه، وشهدت تونس فيها التفكك التدريجي للدولة والانهيار المروّع للاقتصاد.

عشر سنوات تهاوت فيها، أو تكاد، منظومة دولة الاستقلال التي كانت حالة متفرّدة في محيطها الإقليمي والحضاري، إذْ وتحت مسمّى التحوّل الديمقراطي، شهدت تونس عملية تخريب ممنهجة لمؤسسات الدولة ولهيبة القانون والمؤسسات، وهو ما أدى إلى حالة من التيه والعبثية والدمار المجتمعي، زادت في حدته الأزمة الاقتصادية المستفحلة.

عشر سنوات بلغ فيها تدني المؤشرات الاقتصادية مستويات قياسية غير مسبوقة، وأحياناً خيالية في درجة سلبيتها، فعلى مدى تاريخها، لم تعرف تونس انكماشاً في النشاط الاقتصادي وصل خلال الثلث الثاني من 2020 إلى 21,6 % سلبي، مع نسبة تضخّم بلغت 5,7 %، ونسبة بطالة قاربت 18 %، وهي أرقام تؤكد عمْق الأزمة التي تردت فيها تونس جراء التكالب المحموم على السلطة، والحكم الذي طبع سلوكيات الذين انعدمت عموماً كفاءاتهم وتملكهم هوس الحكم، فأعماهم عن مصلحة تونس ومصلحة مواطنيها.

وإن عمق الأزمة السياسية وانعدام الكفاءة وغياب رؤية برامجية واضحة المعالم، هو الذي جعل من الصراع على الحكم والسلطة في تونس فارغاً من أي محتوى إيجابي، وهو الذي دفع البلاد كي تكون أرضية خصبة للتطرف والإرهاب.

عشر سنوات عجاف عرفت تونس فيها سبع حكومات، وكلها فشلت في قيادة سفينة البلاد إلى برّ الأمان، والسبب جليّ وواضح وهو أن جزءاً من الأحزاب «الثورية» الرومانسية تسعى إلى استكمال ثورة لم تبدأ أصلاً، وبعض هذه الأحزاب لا يزال يعيش تحت وقع هذه الحالة الثورية، التي لا ولن تستقيم، في منظورهم، إلّا بالتدمير الكامل للماضي، وإعادة بنائه على أساس مبدأ النقاوة والطهورية الثورية، وفي المقابل فإن حركة «النهضة» الإخوانية تبسط نفوذها بإحكام على مفاصل الإدارة والدولة والحكم.

وإننا نقرأ في التجاذبات الحالية التي صاحبت وتصاحب عملية تشكيل حكومة هشام المشيشي ذات الصراع بين حزب إخواني مستميت في الدفاع عن مواقع وغنائم أحرزها في «غزواته» منذ 2011، وباقي الأحزاب المدنية التي فشلت عموماً في منازعة «النهضة» سلطتها وهيمنتها على المشهد السياسي والحزبي.

ولا نعتقد أنّ هذا الاختلال في التوازن، الذي يطبع المشهد الحزبي والسياسي، راجع إلى قوة استثنائية تتمتع بها الحركة الإخوانية، بل هو بالأساس نتيجة منطقية لضعف الأحزاب الأخرى، ولعدم قدرتها على صياغة تحالفات قادرة على ممارسة الحكم، فحيث يسعى الحالمون بالثورة إلى استكمال «ثورتهم» والمتيمون بـ«الديمقراطية» إلى الوصول بها إلى حالة الانفلات القصوى، كانت «النهضة» الإخوانية تسير بثبات نحو تثبيت سلطتها وحكمها في السر والعلن.

اتحدت إذن الأحزاب «المدنية» وتلك المتسترة بالدين على مدى السنوات العشر من أجل ممارسة كلّ أشكال التحيل السياسي، والغاية واضحة، وهي اقتسام غنيمة هبّة التونسيين من أجل الكرامة والحرّية. وعلى مدى السنوات العشر، مارست خطاب المخاتلة والكذب غير عابئة بمعاناة الشّعب التونسي الذي آثر الاستقالة، وهو ما أكّدته نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات الأخيرة.

ولأنّ تونس أضحت مسرحاً لهذه التجاذبات على مدى السنوات العشر الأخيرة، كانت فريسة سهلة للمطامع الأجنبية والدول التي لا تُخفي مطامعها، وهو ما زاد في ارتخاء قبضتها على سيادتها وقرارها الوطني.

بدا أنّ تونس تُركت لحالها من قبل أحزابها، فمنهم من فضل الانتظار والتريث، وآخرون آثروا الاصطفاف وراء حركة «النهضة» ومن يقف وراءها، وفئة ثالثة واصلت قفزها على الواقع وتشبثها بحلم ثورة لن تأتي أبداً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات