الأوصياء المسموح لهم!

تذكر القصة أنّ رجلاً كان يتمشى في حديقة في نيويورك، وتفاجأ برؤية كلبٍ مسعور يهجم على طفلة صغيرة، فركض الرجل لحماية الطفلة، وبدأ عراكه مع الكلب حتى قتله وأنقذها من أنيابه، بعد دقائق كانت الشرطة قد وصلت، وبدا المسؤول فخوراً بما صنع الرجل وهو يقول: أنت حقاً بطل، غداً سنقرأ الخبر في الصحيفة تحت عنوان «رجل شجاع من نيويورك ينقذ حياة فتاة صغيرة من كلب مسعور».

لكن الرجل اعتذر للشرطي قائلاً له بأنه ليس من نيويورك، فرد الشرطي: إذاً سيكون الخبر على النحو التالي «رجل أمريكي شجاع ينقذ حياة فتاة صغيرة من كلب مسعور»، ليبتسم الرجل ويخبره بأنه ليس أمريكياً وإنما عربي مُسلِم، ليخرج الخبر في اليوم التالي في الصحيفة : «متطرف إسلامي يقتل كلباً أمريكياً بريئاً»!

لا يكرر المقال فكرة عداء الغرب للإسلام، فوقائع الأيام أقوى من كل تأكيد أو تنديد، ولا يحاول اجترار نظرية صراع الحضارات التي تبدو من بعض كُتّابهم وكأنها حتمية وليست خياراً، ولكن أحببت أن أُبيّن بهذه القصة المتخيّلة حقيقة الدور الخطير الذي يلعبه الإعلام وأذرعه المختلفة والمتنوعة للغاية حالياً في قَلْب الأمور، وتشكيل عقل جمعي مُعاد تركيبه بعد تفكيكه، فيبدو الصواب خطأ وتتحوّل الخطيئة إلى فضيلة، ولا يجعل ذلك ممكناً سوى استخدام الكلمة السحرية التي تستطيع التلاعب بتعريف تلك المصطلحات، وهي كلمة كلما وُضِعت في نقاش صارت أشبه بنقلة الـ«كش ملك» في الشطرنج، ألا وهي «العقل»!

نرى هجوماً على الثوابت باسم العقل، وجُرأة على العقائد النقية والأخلاق والقيم الإنسانية العليا بدعوى غربلة الموروث، واجتزاء أحداث شاذة أو أقوال مرجوحة ومردودة ووضعها تحت المجهر وتعميمها من أجل الخروج بحُكم نهائي يُعزِّز الهجوم الشرس على الدين والمنظومة الخلقية، وتصوير تلك النصوص كـ«قيود بالية» لا بد من التخلص منها وبأنّ العلماء الأثبات لا يعدون عن كونهم مدّعي وصاية على المجتمع ولولاهم ولولا نصوصهم الجامدة لكنّا ننافس الشرق والغرب في الاختراعات!

يتباكى أحد كُتّابهم وهو يُندّد بالوصاية على عقل المسلم وتكبيله ومحاولة رجال الدين «الهيمنة على عقول الناس وفق وصايته الأخلاقية المستمدة من المقدس التاريخي والنص التأويلي التفسيري»، وهو هنا يقصد القرآن الكريم والسنة النبوية، لكنّه لم يجرؤ على التصريح، والمضحك أنّ هؤلاء يُندّدون بالوصاية، لكنهم يُشرّعون لأنفسهم أن يكونوا أوصياء على الخلق، ويبيّنوا ما هو سليم وما هو غير سليم، في تناقض فاضح لدعواهم التي تكشفها تبريراتهم والمسار الذي يريدون جرّ المجتمعات المسلمة إليه!

هذه الأيام انكشفت ورقة التوت عن الكثيرين من اللاهجين بقضية العقل والفكر المتحرّر، لنجد أنّ العقل الذي يدندنون حوله، لا يعدو أن يكون «الغرائز» العطشى لكل انفلات، واللاهثة لكسر أي قيد شرعي أو خُلُقي يمنع من إشباعها بأيسر الطرق، لذلك لا تستغرب عندما تجد أحدهم يُصاب بالتهاب قولون ويركبه ألف عفريت إنْ طَرَحَ وليُّ أمرٍ زيادةَ جرعات حصص التربية الإسلامية في المدارس لاستدراك تقويم سلوكيات الجيل القادم قبل فوات الأوان، ولا تعجب من مطالبة أحدهم بتدريس الجنس لتلاميذ المدارس بدعوى نشر الوعي لهذه الجزئية الهامة، هذا الشخص يبدو أنه لا يعرف أن البشر موجودون على سطح الأرض منذ أكثر من مئة ألف سنة، ولم يشتكوا من قلة الوعي بأمر فطري كهذا!

يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت: «مِن نسيج الإنسان الفاسد لم يُصْنَع شيء مستقيمٌ أبداً»، أما الصينيون القدماء فقد كانوا أكثر وضوحاً بحكمتهم الشهيرة: «إنّ الجيش الفاسد لا ينتصر أبداً»، فالمجتمعات العظيمة لا تقوم على الغرائز ولا يعلو شأنها بعلوّ شأن البهيمية في نفوس أهلها، فالفساد لن يأتي بذره إلا بالفساد، وهدم الأخلاق وتحقير نصوص الدين لن تُخرِج إلا جيلاً لا يرى أبعد مِن ملذاته الشخصية، أمّا الحفاظ على المكتسبات والدفاع عن الأرض والعرض، فسيكونون آخر من يكترث لها.

لا وصاية لإنسان على آخر، ولكن لله تعالى وحده ذلك الحق، وأوامره ونواهيه ظاهرة نقية طاهرة صريحة بين دفتي المصحف الشريف وكلام سيد الخلق، صلى الله عليه وسلّم، ولا سبيل لتركها أُلعوبة لدى أتباع الغرائز، أما محاربتهم لها فليست بغريبة، فقد قال ورقة بن نوفل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يأتِ أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي»!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات