أردوغان لم يكن بطلاً في دافوس

«وشهد شاهد من أهلها».. وأخيراً اكتشفنا أن الرئيس التركي رجب أردوغان لم يكن صادقاً ولم يكن بطلاً، ولم يتصدَّ أو يصطدم مع الرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز في منتدى دافوس، في 30 يناير 2009 حينما كان رئيساً لوزراء تركيا.

الشاهد هو أحمد داوود أوغلو الذي كان كبيراً لمستشاري أردوغان وقتها ثم وزيراً للخارجية ثم رئيسا للوزراء.

بالطبع نعلم أن داوود أوغلو انشق عن أردوغان، وغادر حزب العدالة والتنمية، وأسس حزباً جديداً هو «المستقبل»، اعتراضاً على السياسات التي يتبعها أردوغان في مختلف المجالات.

قبل أيام قال أردوغان مهاجماً داوود أوغلو: «أولئك الذين كانوا في القاعة معنا في دافوس، ارتعدوا يوم وقفنا بوجه بيريز، لكنهم الآن شكلوا حزباً جديداً».

ما يريد أن يقوله أردوغان من وراء هذا التعليق أنه كان «أسداً هصوراً»، وقاطع كلمة لبيريز في منتدى دافوس اعتراضاً على سياساته ضد الفلسطينيين، وأن داوود أوغلو كان خائفاً ومرعوباً من تداعيات هذا الصدام.

وبالتالي فإن أردوغان يحاول تصدير صورة لشعبه وللعرب وللمسلمين بأنه الشخص الذي قاطع وتصدى لشيمون بيريز ولإسرائيل في قلعة الرأسمالية العالمية.

لكن من الواضح أن ذاكرة أردوغان بدأت تضعف كثيراً، والأخطر أنه يتصور أشياء لم تحدث على أرض الواقع.

داوود أوغلو ألقى خطاباً يوم السبت الماضي 15 أغسطس، في مسقط رأسه، مدينة قونية، كشف فيه للمرة الأولى رسمياً تفاصيل ليلة دافوس، وانسحاب أردوغان منها.

قال داوود أوغلو في قونية: «أردوغان لم يقل الحقيقة، وكلانا يعرف ما جرى تلك الليلة، في دافوس بعد اختفاء الأضواء، هو يعلم أنني قمت شخصياً بدبلوماسية الباب الخلفي للاعتذار لشيمون بيريز بصفتي كبير مستشاري أردوغان وقتها، وهذا الاعتذار تم من هاتفي الشخصي».

داوود أوغلو شرح الوضع قائلاً: «عند عودتنا إلى إسطنبول من دافوس، أنا من كتبت الخطاب الذي وجهه أردوغان للشعب التركي، ولو كنت قلت الحقيقة وإننا احترقنا في دافوس، لكنت انتهيت، وما كان عينني وزيراً للخارجية بعد هذا الحادث بشهرين». يضيف أنه بعد هذا الاعتذار فإن العلاقات عادت طبيعية مرة أخرى بين إسرائيل وتركيا.

إذاً فإن رواية أردوغان وحزبه وأنصاره عن ليلة دافوس لم تكن صحيحة، أو على الأقل لم تكن دقيقة، والأخطر أنه وظّف تلك اللقطة التي لم تستغرق دقيقة في إطار سياق يوحي لأنصاره بأنه الشخص الوحيد الذي يتجرأ على التصدي لإسرائيل، في حين أن الحقيقة لم تكن كذلك بالمرة. لو أن أنصاره عرفوا أنه اعتذر لبيريز بعد التمثيلية بدقائق، لسقط من نظرهم، وما كان يمكنه أن يتاجر بعدها بالقضية الفلسطينية.

بالمناسبة كثيرون - قبل اعتراف داوود أوغلو الأخير - قالوا إن ما حدث في دافوس كان أقرب إلى الاستعراض ولم يكن حقيقياً، لكن أنصار أردوغان لم يصدقوا ذلك، حتى جاء أحمد داوود أوغلو ليكشف حقيقة إرسال خطاب الاعتذار.

وبالمناسبة فإنني كتبت هنا في «البيان» بتاريخ 18 يوليو الماضي: «تحت عنوان هل يعادي أردوغان إسرائيل فعلاً؟!»، تعليقاً على متاجرة أردوغان بتحويل متحف «آيا صوفيا» إلى مسجد

. وقلت في المقال إن أردوغان يستخدم خطابين: الأول حماسي متطرف باللغة التركية موجّه لأنصاره من البسطاء و«الإخوان»، والثاني معتدل بالإنجليزية موجه للغرب وإسرائيل. يومها قال أردوغان في تغريدة بالتركية: «إحياء آيا صوفيا من جديد هو بشارة نحو عودة الحرية للمسجد الأقصى». لكنه في حديثه للخارج قال إن المتحف أو المسجد مفتوح لأنصار كل الديانات!

أما على أرض الواقع، فإنه لم يفعل شيئاً للمسجد الأقصى إلا الكلمات الحماسية.

في هذا المقال أيضاً، كتبت وقلت إن جلسة منتدى دافوس في يناير 2009 استمرت 75 دقيقة، وإن أردوغان انسحب في الدقيقة 73، طبقاً لرواية الأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى الذي كان حاضراً الجلسة. ولم ينسحب اعتراضاً على كلام بيريز، بل لأن مدير الندوة لم يعطه الكلمة!

نفس الأمر ينطبق على الصدام الذي تم في 31 مايو 2010، بين أردوغان وإسرائيل بشأن «أسطول الحرية»، الذي حاول كسر الحصار المفروض على غزة. الإسرائيليون اقتحموا السفينة «مرمرة» واعتقلوا ركابها، لكن علاقات الجانبين عادت كما هي. إذا أردوغان لم يكن صادقاً في حكاية دافوس.

لسنا نحن من يقول ذلك، بل ساعده الأيمن الذي اعتذر بالنيابة عنه للإسرائيليين. وبالتالي فإن هذه الحكايات تقول لنا ببساطة، إننا لا يمكن أن نصدقه في كل ما يقوله عن إسرائيل وفلسطين و«الأقصى».

* رئيس تحرير «الشروق» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات