معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية والاستدارة الأمريكية

المكاسب السياسية والاقتصادية من معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية كثيرة ولا تحصى، ويمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمتها، لكن هذه المعاهدة أثبتت قدرة المفاوض الإماراتي على إنجاز غير مسبوق يتعلق بالساحة الأمريكية سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى الشعب والرأي العام.

ويشهد تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع العربي الإسرائيلي أنها كانت تتصرف وفق مصالحها الخاصة ومصالح إسرائيل، دون أن يؤثر فيها أي طرف بما فيها الأطراف الأوروبية الحليفة والصديقة لواشنطن، فكيف نجحت الإمارات في تحقيق الاستدارة الأمريكية وإقناع المؤسسات الأمريكية بضرورة التوقف عن الانحياز لإسرائيل وتجميد خطة ضم الأراضي الفلسطينية لإسرائيل؟.

أول تراجع أمريكي

المعروف للجميع أن الولايات المتحدة عندما تقرر لا يستطيع أحد أن يوقفها، فعندما قرر الرئيس ترامب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس لم يستطع أحد في العالم أن يمنعه رغم تحذير الاتحاد الأوروبي ورفض أصدقائه المقربين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها.

وعندما قررت إسرائيل ضم أجزاء تصل لـ 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية في غور الأردن وشمال البحر الميت، أعلن وزير الخارجية الأمريكية تأييده للخطوة الإسرائيلية، وهو ما كان سينهي عملياً حل الدولتين، لأن أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة جميعها تشكل 22 في المئة من مساحة فلسطين.

ولو كانت إسرائيل واصلت سياستها بضم 40 في المئة فلن تتبقى حينها أراضٍ للدولة الفلسطينية المنتظرة، وهنا جاءت الحكمة الإماراتية بإقناع الرئيس ترامب بالضغط على إسرائيل لتجميد قرار الضم، وهو «أول قرار» يتراجع عنه الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي منذ أن كان ترامب مرشحاً للانتخابات الرئاسية عام 2016، وبتحليل مضمون الكلمات التي ألقاها الرئيس الأمريكي أثناء الإعلان عن معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية، يتأكد للجميع قدرة الإمارات على إقناع الولايات المتحدة بأهمية الضغط على تل أبيب لتأجيل قرار الضم، وهو الإنجاز الذي عجز الجميع عن تحقيقه.

مربع اعتدال

لقد نجحت الإمارات في نقل السياسة الأمريكية من «مربع الانحياز الكامل» لإسرائيل إلى «مربع الاعتدال» على الأقل في قضية ضم الأراضي، واللافت أن ما حققته الإمارات على الساحة الأمريكية لم يعد موقف الإدارة الأمريكية الجمهورية فقط، بل أصبح خيار الولايات المتحدة بحزبيها الديمقراطي والجمهوري، بعد تأييد جو بايدن وكامالا هاريس لمعاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية .

وما ترتب عليها من تأجيل الضم، ويترافق مع كل ذلك أن الإمارات نجحت من نزع ورقة إسرائيلية من الساحة الأمريكية، فعلى مدار السبعين عاماً الماضية كانت إسرائيل تروّج من خلال الإعلام والمسرح الأمريكي أنها تعيش في بحر من الكراهية العربية، لكن هذه المعاهدة أكدت للجميع في الولايات المتحدة الأمريكية أن هناك شركاء حقيقيين للسلام في المنطقة العربية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات