الريح والأشرعة!

يقول توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وكاتب إعلان الاستقلال: «عندما نتحدث عن طريقة العيش فاسبح مع التيار، وعندما نتحدث عن المبادئ قِف كالصخرة»، فالمرونة في بعض المواطن مطلوبة ليستطيع الإنسان التعايش والتفاعل مع مَن حوله، والصلابة في مواطن أخرى لازمة لحماية هوية وقيم ذلك الإنسان التي لا يجوز المساس بها.

لم تكن دولة الإمارات في يوم من الأيام ممن يمتنّ على الغير أو يزايد على قضاياهم أو يُتاجر بمقدّراتهم، فمنذ عهد المؤسس زايد الخير رحمه الله تعالى، كانت عوناً للصديق وردءاً للجار، وأولَّ من يبادر لمد يد الخير والمعونة لكل من ألمّت به الظروف الصعبة، ولم تكن قضية فلسطين عنده، رحمه الله، وما زالت عندنا، إلا قضية مقدسة، ووقفات الإمارات لنصرتها وإعادة الحقوق لأصحابها فعلاً لا قولاً تُقنِع كل شريف وتُلجِم كل مُفتئتٍ عليها، لكن الكاره لا يرى إلا ما يريد، ولن يسمع إلا ما يزيده تشنجاً وتحاملاً!

اثنتان وسبعون سنةً من السنين العجاف ولا بارقة أمل أصبحت في المتناول، بل ما يُفقَد بشكل متواصل لا يُسترَد، وما يذهب لا يعود، وما يسيل من الدماء الطاهرة أو يُستباح من الأراضي المغتصبة لا يُسْتَرْجَع، وما زال البعض يقتات على خُطَب جوفاء تقال هنا وهناك، ويضيع كل شيء تحت «جعجعات» حفظناها لكثرة ما تم تردادها لدغدغة العواطف، لكنها لا تسقي الظامئ إلا بَلَل السراب ولا تُطعِمه إلا مرارة الحنظل!

يقول تشرشل: «أنت لا تستطيع أن تفاوِض إلى مدى أبعد من ذلك المدى الذي تصله مدفعيتك»، فلماذا لا يريد البعض أن يفهم أنّ ما عاد موجوداً على الطاولة أقل من الأمس، وسيكون أقل في الغد، ومتى سنفهم الدرس الكوني الذي لا يتبدّل، بأنّ فعل نفس الأمور بنفس الطريقة سيؤدي بنا دوماً لنفس النتائج، فالخُطَب لن تعيد وطناً مسلوباً، والعنتريات خلف الشاشات لن ترد عدوّاً، ومزايدات الـمُقتاتين على أوجاع المكسورين والـمُهجَّرين لن تُقر حقاً مُضاعاً.

لماذا يُصرُّ البعض على تصوير الاتفاقية بين الإمارات وإسرائيل كخيانة وطعنة ظهر؟!، لماذا هذه الازدواجية في المعايير؟ لماذا أصبحت خيانة لنا ولم تُعتَبَر خيانة لتركيا التي يُدندِن بها من يهاجمنا؟ والأهم هنا: مَن قال إن العلاقات تعني الاعتراف باحتلال القدس ومصادرة أراضي إخوتنا في فلسطين؟

نحن لدينا ثلاث جُزُر مُحتلّة من إيران، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لدينا علاقات معها، والمغرب تملك علاقات مع إسبانيا رغم كون سبتة ومليلة المغربيتين ضمن الحدود الإسبانية، ولنقاط التنازع مسارات للتقاضي الدولي، أما السياسة فتوجب أن تتعايش مع من حولك دون أن تتنازل عن مبادئك أو حقوقك، والإمارات قيادة وشعباً لم يتغيّر إيمانها بعدالة قضية أولى القبلتين، وضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة رغم أكاذيب وتقوّلات المرجفين علينا.

لم يخرج الاتفاق فقط بمكسب إيقاف الاستيطان الإسرائيلي لـ30 % من الأراضي الفلسطينية، والمحافظة على 43 بلدة يقطنها أكثر من 112 ألف فلسطيني، والسماح للمسلمين بزيارة الأراضي المقدسة، ولكن وضع الاتفاق ورقة ضغط على الحكومة الإسرائيلية، والتي كانت أدبيات كُتّابها ومناصريها في الصحافة الغربية، تدّعي أن إسرائيل تتواجد في محيط «عدائي»، وتستجلب بذلك تعاطف شرائح كبيرة من شعوب تلك الدول وتُبرِّر همجية السلطات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين العُزّل، ولكن فإنّ هذه الورقة قد احترقت الآن وأصبحت تصرفات إسرائيل تُلاحَظ بصورة حيادية بعيدة عن تلك المظلوميات السابقة!

ما خسرناه في فلسطين كثير، وما سنخسره أكثر إن بقينا على نفس المنوال الحالي، ولكن عقيدتي الراسخة، أنّ القدس ستعود وأنّ الحق سيظهر وأنّ الغاصِب سيندحر، مصداقاً لقوله تعالى: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دخلوهُ أوَّلَ مرَّة».

العلاقات مع الدول الأخرى حق سيادي لأي دولة، والإمارات لا تتحدث إلا باسمها وليس باسم إخوتنا الفلسطينيين، ولم تدّعِ يوماً أنها تملك حق التصرف بأي شبرٍ من أراضيهم، بل كل سعيها كان وما زال للحفاظ عليها بما تستطيع، لكن من لا يرى أنّ المسار الحالي لا يوصل إلى أي جهة، سوى الضياع ومزيدٍ من الأراضي المهدَرة والدماء النازفة، فهو واهم، فَلِتَتَغيّر مُخرَجات الأمور لا بد أن نغيّر طريقتنا في التعامل معها، ولئن كان مُحالاً أن نتحكّم بالرياح في وسط البحر إلا أننا نستطيع أن نُغيّر اتجاه أشرعتنا!.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات