«الاستيطان الإخواني» وعودة الوعي

شهدت تونس نهاية الأسبوع الماضي حدثاً بدا بالنسبة للمتابع الأجنبي أنّه عادي، ولكنّه في ميزان تطوّرات الأحداث الداخلية ثقيل جدّاً، فَقَدْ أصدر المجلس الأعلى للقضاء قائمة حركة النُّقل القضائية، وتضمّنت فيما تضمّنت، نقل وكيل الجمهورية لدى محكمة البداية بتونس العاصمة، وهو شخصية قضائية تتمتّع بنفوذ واسع وله صلاحيات كبيرة، ويعتبره أصحاب المهنة والفاعلون السياسيون في تونس واحداً من أهمّ القضاة التي ينبني عليها تأثير حركة «النهضة» الإخوانية في السير العادي للقضاء.

وبالطّبع حاولت «النهضة» وبكلّ الطّرق حَمْلَ المجلس الأعلى للقضاء على التراجع عن قراره ولكنّه قُضِيَ الأمْرُ.

وتكمن أهمّية هذا الحدث في أنّه كشف مجدّداً السياسات «الإخوانية» التي قِوَامُها التسلّل إلى مفاصل الدولة والإدارة والمجتمع، في إطار سياسة «التمكّن»، وهي سياسة غير خافية، لأنّها تمثّل المدخل الأساسي لديمومة هيمنة الحركات «الإخوانية» على السلطة والحُكْمِ.

وذات السياسة نجدها مكرّرة في مجمل القطاعات الحسّاسة، كالأمن والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية مثل تكنولوجيا الاتّصال، والمفاصل الهامّة للإدارة والقطاعات الخدماتية.

وفِي كلّ مرّة تتركّز «النهضة» في قطاع من هذه القطاعات الحسّاسة والاستراتيجية، تسعى لتحصين موقعها وتأمين ديمومة استمرارها فيه.وقد لاقت هذه «السياسة الاستيطانية» التي تمارسها «النهضة» منذ عشر سنوات، معارضة شرسة من المجتمع المدني الأهلي بقيادة اتّحاد العمّال، الذي سعى ويسعى إلى التصدّي لها، وحقّق نجاحات في بعض معاركه.

ويبدو أنّه - وللأسف - انصرفت جلّ الأحزاب إلى الاكتفاء باقتسام السلطة مع حركة «النهضة» كما الاكتفاء ببعض غنائم الحُكْمِ، تاركة المجال فسيحاً أمام «النهضة» وطموحها المتعاظم في السيطرة على مفاصل المجتمع والدولة.

إنّ هذه الانتهازية التي طَبَعَت سلوكيات الأحزاب شجّعت «النهضة» على المضيّ قُدُماً في سياساتها التوسّعية في الإدارة والدولة. وبمجرّد إلقاء نظرة على التجارب المقارنة نعاين أوّلاً، أنّ هذه السياسة ليست بدعة نهضوية تونسية، وإنّما هي ثابتة أساسية في السياسات «الإخوانية»، وتجد لها أرضية خصبة في مجتمعات تضعف فيها الدولة وتتهاوى فيها المؤسّسات.

ونقف ثانياً على أنّ هذه السياسات لا تنتعش إلّا في وجود تَفَشٍّ كبير للسلوك الانتهازي من جانب الأحزاب الأخرى، ونلاحظ ثالثاً أنّ هذه السياسات تتمّ بدرجة كبيرة من التنسيق بين مختلف الحركات «الإخوانية» من مختلف الأمصار.

وفِي مقابل هذه السياسات الإخوانية المحبوكة والمدروسة، لا نكاد نلمس أيّ جدّية في تعامل الأحزاب الأخرى مع هذا المدّ «الإخواني»، بل إنّ الحركات الإخوانية ومنها «النهضة» استطاعت جرّ غالبية مكوّنات المشهد الحزبي والسياسي إلى ملعبها، ونجحت في ترويض عدد من الأطراف الحزبية باستعمال سياسة الترهيب والترغيب، وهو ما مكّنها من التمادي في سياساتها التي تهدف إلى مزيد من «التمكّن» من مفاصل الحُكْمِ.

وإذا كانت هذه هي الحال بالنسبة للمشهد الحزبي والسياسي، فإنّ المجتمعات تكاد تختلف جذرياً، إذْ هي مثّلت عقبة حقيقية أمام سياسات الهيمنة «الإخوانية» على الإدارة والدولة، ورغم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية فشلت «النهضة» في تحقيق اختراقات ملموسة للمجتمع التونسي الذي بقي وفيّاً لمبادئ دولة الاستقلال الوطنية، وأبدى رفضه المطلق لسياسات «الإخوان» ولنزعات هيمنتها على مفاصل الإدارة والدولة، ولكن من دون أن يترجم هذا الرّفض في صناديق الاقتراع نظراً إلى نزعة المقاطعة الكبيرة للعمل السياسي وللانتخابات من طرف شريحة واسعة من التونسيين.

ومن المهمّ التنويه إلى أنّ الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، شهدت بروز ترجمة لهذا الرفض للفكر «الإخواني» عبّر عنها بالخصوص رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وهو توجّه قد يمثّل بديلاً فعلياً شريطة تخلّصه من الشوائب الشعبوية.

المهم أنّ التطوّرات الأخيرة وضعت حجر الأساس للمعركة الحاسمة مع حركة النهضة التي لاتزال ترفض بقوّة فكرة فكّ الارتباط مع حركة «الإخوان» الدولية. وإنّ محاولة خلع رئيسها من رئاسة مجلس النواب هو شكل من أشكال عودة الوعي لبعض الأحزاب، كما أنّ ما صاحب تشكيل الحكومة الجديدة، يُعتبر حلقة من حلقات الصراع بين رئيس الجمهورية وحركة «النهضة».

إنّ هذه التفاعلات والتطوّرات من شأنها أن تزيد في ترسيخ حالة وعي متعاظمة بأنّ الرابط الوطني هو أساس العمل السياسي والحزبي، وأنّ كلّ الأطراف التي أغفلت المسألة الوطنية، لا مستقبل لها في تونس وفِي غيرها من البلدان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات