بيروت وردتنا التي لا تموت

لو عدنا إلى صحف العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، لوجدنا أن معظم عناوينها الرئيسية تتضمن كلمة «صيف ساخن»، وبخاصة الشهر الحالي أغسطس ويونيو.

في أغسطس 1990، كنا في الكويت. ليلة الثاني منه بقينا في الجريدة (الأنباء) نتابع ونحرر الأخبار المتسارعة عن الوضع المتفجر بين العراق والكويت. كان آخر «مانشيت» وضعناه للعدد «مبارك: صدام أبلغني أنه لن يغزو الكويت». كان الرئيس المصري آخر زعيم عربي يزور بغداد ضمن الوساطات التي قام بها قادة عرب لإقناع صدام بعدم القيام بفعلته، التي لم تزل المنطقة العربية تدفع ثمنها حتى الآن.

غادرنا الجريدة الثانية فجراً مطمئنين أن الوضع تم احتواؤه. وبعد أن وصلت البيت بساعتين وإذ بمحمود، عامل البدالة، يتصل بصوت متهدج يبلغني أن الجيش العراقي وصل الجهراء على مشارف العاصمة. عدت إلى الجريدة وجلسنا نتابع الوضع وحدث ما حدث. وكان أسوأ فصل في التاريخ العربي الحديث، أدى إلى ما بعده من كوارث وويلات.

بتفجيرات بيروت، أبى أغسطس إلا أن يكون ليس ساخناً فقط، بل حارقاً أيضاً. دمر نصف بيروت، وشوّه وجهها الجميل، وقتل المئات، وجرح الآلاف من اللبنانيين والمقيمين والسيّاح.

لهذا الشهر (أغسطس) حكاية تشي بالعدوانية، فهو الشهر الثامن حسب التقويم الغريغوري، ويحتوي على 31 يوماً. سُمي أغسطس تكريماً للإمبراطور أوغُسْطوس. خلال فترة حكمه، قام مجلس الشيوخ بإضافة يوم واحد إلى هذا الشهر أخذوه من شهر فبراير، فأصبح أغسطس 31 يوماً، فظل فبراير أعرج وأغسطس يختال كالطاووس على حساب أخيه فبراير.

الحرب والرصاص والقتل ليست جديدة على بيروت، لكنها في كل حرب تدفن ضحاياها، تمسح دمها ودمعها، تغسل في البحر همومها، وتغني مع فيروز:

لبيروت من قلبي سلامٌ، لبيروت وقُبلٌ للبحر والبيوت، لصخرةٍ كأنها وجه بحارٍ قديم، هي من روحِ الشعب خمرٌ، هي من عرقِهِ خبزٌ وياسمين، فكيف صار طعمها طعم نارٍ ودخانِ.

تفجير الثلاثاء الماضي، الرابع من أغسطس، أو كما سمّاه البعض «هيروشيما بيروت»، استحوذ على اهتمام العالم. كثر المحللون وظلّت الكثير من الأسئلة عالقة: ماذا حدث، من المسؤول، من له مصلحة، ما الهدف؟

ووجه البعض أصابع الاتهام لإيران، ليس بالتفجير، بل باحتفاظها بمخزن أسلحة ومواد متفجرة في ميناء بيروت لسنوات لتزويد «حزب الله» بها. وللمسؤولين الذين أهملوا وجود هذا القاتل في مينائهم.

على أية حال، بيروت ستظل بيروت التي تتقن فن الحياة. ها هي تنظف شوارعها وتغسل شعرها بماء البحر، توأمها الذي حماها من الدمار الكامل.

* كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات