مقبرة الموهوبين

أحياناً لا يكون بين المرء ووأد مواهبه سوى تصديقه لكلام المثبطين من حوله. وكم من شخص قضى على كل بصيص أمل في قدراته بسبب تراجعه عند أول تعليق جارح أطلقه عليه أحد المتسرعين ممن لم يستوعب مواهب ضحيته!

عملاق الفن الخليجي النجم الكويتي عبدالحسين عبدالرضا لم يستسلم لواقع الحال، وبدائية الحركة الفنية في بلاده آنذاك، بل أصر على أن يحافظ على شغفه وأن يستعد للفرصة السانحة التي كانت تلوح له بالأفق.

حيث كان يتردد على ساحة الصفاة في قلب مدينة الكويت لمشاهدة أفلام يحيى شاهين التي تبث على ستارة بيضاء بدائية أشبه بالسينما في الهواء الطلق. وكان يحفظ النصوص عن ظهر قلب من شدة شغفه بالفن.

واستمر عبدالحسين بصقل مواهبة ومرانه على خشبة المسرح، علّه يحظى باهتمام عميد المسرح العربي زكي طليمات، الذي يجلس في الصف الأول محاولاً تقييم من يستحق أن ينضم لمسرحيته في الكويت إبان حقبة الخمسينيات.

ثم أعجب زكي بعبدالحسين إعجاباً شديداً، مع أنه كان ممثلاً بديلاً لزميله الممثل الذي غاب بصورة مفاجئة، ليجد زكي طليمات في عبدالحسين البديل الناجح.

وقال طليمات عبارته الشهيرة باللهجة المصرية: «مين... اللي خلا ده ممثل بديل؟». تماماً كما يحدث في أرضية الملاعب عندما يفاجئ اللاعب البديل الجميع بأداء فاق من سبقه إلى أرضية الملعب. وهو مؤشر على أن الموهوب لا يجب أن ييأس أو يملّ من الانتظار، فهو ما أن تحين فرصته حتى ينكشف للجميع ما إذا كان موهوباً بحق من عدمه.

وهو ما حدث مع مسيرة عبدالحسين التي تجاوزت الستين عاماً. وكانت من أبرز محطاته أن مسرحية «فرحة أمة» التي كشفت سلبيات مجتمعنا بقالب كوميدي ذكي قدمت خصيصاً كمسرحية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي الستة الذين صفقوا لها مراراً، في سابقة أولى في تاريخ الخليج، إن لم يكن العالم العربي كله بأن يجلس قادة ست دول أمام عملاق فني لا يشق له غبار.

هذه بحد ذاتها شهادة تقدير ورسالة بأنك لا يجب أن تيأس مهما كانت وعورة الطريق وتحدياته. تذكرت ذلك قبل أيام في ذكرى رحيل «أبوعدنان» الذي رسم البهجة على شفاه الناس ورحل عنا وهو مبتسم على فراشه الأخير، كما وصفه الفنان داود حسين. وكأن لسان حاله يقول: ابتسم في وجه من يحاول أو يئد مواهبك.

وإذا كان عبدالحسين، بشهادة الجميع، أشهر من لعب على خشبة المسرح الفني الخليجي، فعلى المسرح الرياضي العالمي، هناك لاعب عالمي لم يستسلم لمثبطين. وربما لا يعلم البعض أن أفضل لاعب في العالم، وفق استفتاء الفيفا، الأرجنتيني ليونيل ميسي، كان يعاني من مشكلة نقص في الهرمونات في صغره، ما أثر سلباً في نموه الجسماني.

وتطلب الأمر مبالغ طائلة عجزت أسرته عن توفيرها. ولما هاجرت إلى إسبانيا التحق ابنها الفتى ميسي بنادي برشلونة العريق، فتابعه مدير النادي، وبهره أداؤه، وتنبأ له بمستقبل باهر، فقرر أن يتكفل بنفقات علاجه الباهظة. وبعد سنوات حاز ميسي لقب هداف الدوري الإسباني وأفضل هداف في أوروبا.

قال عنه اللاعب الأسطورة بيليه: «مع تعصبي الشديد لمنتخب البرازيل، لكني بكل صراحة أحب مشاهدة أرجنتيني واحد؛ هو ميسي»، وبنى الأرجنتيني مارادونا عليه آمالاً كبيرة بأن يصبح خليفته في الملاعب. وعلى الرغم من أن عمره لم يتجاوز العشرينات آنذاك، فإن مراقبين توقعوا أن يرفع كؤوساً رياضية كثيرة.

قصص الذين نجوا من مقابر الموهوبين لا تعد ولا تحصى في حياة الشعوب. ولن تنتهى هذه المعضلة، فهي سنة الحياة التي يحولها النجوم إلى طاقة للتصدي للتحديات وتحقيق آمالهم وطموحاتهم.

عندما يحاول أحد عرقلتنا فهو يعني أننا كنا ننطلق بسرعة كان يمكن أن نتخطاه بها، لكنه لم يجد حيلة سوى «العرقلة» ليثنينا عن المضي قدماً نحو الهدف المنشود. وكلما زادت العثرات والحواجز، صارت قصة النجاح تستحق أن تروى. والنجاح هو أبلغ رد على من حاول وأد مواهبنا.

* كاتب كويتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات