هاجس «الإقصاء» يخيّم على «النهضة» الإخوانية

فنّد محافظ البنك المركزي التونسي مروان العبّاسي في تصريح له لإذاعة محلّية، مزاعم رئيس مجلس نواب الشّعب ورئيس حركة النهضة الإخوانية راشد الغنّوشي بأنّ «هناك احتمالاً ألا تتمكّن الدولة التونسية من صرف أجور الموظّفين، وبأنّ خدمات الماء والكهرباء قد تنقطع».

محافظ البنك المركزي التونسي أكّد «أنّ رصيد أجور الموظّفين لأشهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر متوافرة، وأنّ الوضعية المالية الحالية للدولة تمكّن من تأمين استمرار تقديم خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء»، ومعلوم أنّ البنك المركزي، هو أعلى سلطة نقدية ومالية في تونس.

وحاء تصريح رئيس حركة النهضة في سياق مجموعة تصريحات متشنّجة إثر تمكّنه من البقاء على رأس مجلس نواب الشّعب إثر فشل عريضة سحب الثقة منه على تحصيل 109 أصوات.

وبدا من الواضح أنّ الارتباك الناجم عن الخوف المتعاظم من أنّ المجتمع التونسي يتدرّج في الموقف نحو الحسم والقطع النهائي مع هذه الحركة الإخوانية، أضحى الهاجس الأكبر والسمة الطاغية التي تطبع سلوك ومواقف «النهضة» والغنّوشي.

وقد تعدّدت التصريحات الصادرة عن قيادات نهضوية والتي تربط استقرار الوضع الأمني والخدمي في تونس بـ«عدم إقصاء النهضة عن الحُكْمِ»، وهنا يكمن مربط الفرس، كما يُقالُ، ذلك أنّ «النهضة» الإخوانية ترفض بالمطلق فكرة وجودها خارج السلطة والحُكْمِ، لأنّها تقرأ في ذلك نذير شُؤْمٍ وإمكانية متاحة لمحاسبتها سياسياً وحتّى قضائياً.

وإنّ في إصرار «النهضة» على مواقفها هذه، إخفاء لحقيقة وتأكيداً لأخرى. فأمّا ما تسعى الحركة الإخوانية لإخفائه، فهو مسؤوليتها السياسية والقضائية عن الوضع المتأزّم الذي وصلت إليه تونس، وعن عديد الانحرافات والأوضاع المُلْتَبِسَةِ وأحياناً المشبوهة، وخصوصاً أنها الطّرف الذي لم يُغادر مطلقاً السلطة والحُكْمَ تحت أيّ مسمّى منذ 2011.

وقد استطاعت هذه الحركة الإخوانية التنصّل من هذه المسؤولية، وذلك بتمكّنها من إسقاط أغلب الأحزاب في شِراكِ «نظرية التوافق» التي مثّلت وعاء مناسباً لها حتّى تتشتّت هذه المسؤولية بين الجميع وآخره «النهضة» في كلّ مرّة بأخفّ الأضرار، ولَم يسلم من ذلك حتّى حزب «نداء تونس» الذي كان يتزعّمه الرّاحل الباجي قايد السبسي.

ولَم تقف «النهضة» عند حدّ التنصّل من المسؤولية رغم أنها بسطت نفوذها على أغلب مفاصل الإدارة والدولة، بل هي انتقلت في أغلب الأحيان إلى وَضْعٍ هجومي وتصرّفت كأنّها حزب معارض ومن خارج منظومة الحُكْمِ، ووجدت في هشاشة المشهد الحزبي والسياسي متّكأ وحافزاً لها على التمادي في سلوكها الذي مكّنها على مدى السنوات الماضية من تقليص حجم خسائرها مقارنة بباقي الأحزاب.

وهي حقيقة بدا أنّ أغلب الطّيف السياسي والحزبي - ولأسباب متعلّقة بتأمين وجودها واستمرارها - توقّف عندها، وبدأت أغلب هذه الأطراف تضع في حساباتها أنّ وجود «النهضة» في الحُكْمِ ليس قَدَراً مسلّطاً على التونسيين.

وأمّا عن الحقيقة التي باتت مؤكّدة، فهي أنّه أضحى بَيِّنًا أنّ مثل هذه التصريحات الصادرة عن «النهضة» والمتضمّنة تهديدات معلنة ومبطّنة بإمكانية زعزعة الاستقرار في تونس في حال خروجها من السّلطة والحُكْمِ، تتزامن مع الأزمات التي تمرّ بها الحركة الإخوانية، وهي أزمات ما انفكّت تأخذ شكلاً مزدوجاً.

فعلى المستوى المجتمعي والسياسي، بدأت قاعدة التعاطف معها تضعف وتنحسر وتكاد تحالفاتها السياسية تقتصر على الأحزاب المجاورة فكرياً وعقائدياً وبعض الأحزاب الانتهازية. وأمّا على المستوى الداخلي، فالوضع شديد التأزّم، ولَم يَعُدْ خافياً أنّ «النهضة» مقبلة على أيّام سود.

إنّ العمل الكبير الذي قام به المجتمع المدني التونسي في تعرية الجوانب الانتهازية في فكر وسلوك الحركات الإخوانية، وكذلك فشل منظومة التوافق في الحُكْمِ على مدى الحكومات المتعاقبة في تأمين كرامة وحرية المواطن التونسي، ساهم بشكل كبير في كشف مستور «النهضة»، وهو ما سيفتح على أفُقٍ سياسي جديد قد لا يكون لـ«النّهضة» فيه أيّ دَوْرٍ.

تونس تعيش مرحلة مخاض حقيقي وإنّ الخطّ الوطني، الذي بدأ ينتهجه الرئيس التونسي قيس سعيّد، قد يساهم بشكل كبير في توضيح المطلوب لتنقية الوضع من كلّ الشوائب التي عَلِقَتْ بالمشهدين الحزبي والسياسي، وإنّ النزعة الانتحارية التي بدأت تطبع سياسات ومواقف «النهضة» ستقودها إلى فنائها المحتوم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات