محمد بن راشد وتجديد الإحساس بالحياة

في الصفحة الرابعة والخمسين من كتاب «تأملات في السعادة والإيجابية»، يؤكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، أنّ هناك علاقةً اشتقاقيةً ودلالية بين كلمتي القائد والقدوة، ثم يفسّر هذه النظرة الثاقبة بقوله: «علاقة الكلمتين هي علاقة مقدمة ونتيجة، لا يُوجَد قائد حقيقي مِنْ دون أن يُمثّل قدوة حقيقية لمَنْ حوله، قدوة في أفعاله وأقواله وأفكاره». وهذه الرؤية النظرية لمفهومَي القيادة والقدوة لا تبقى حبيسة الكتب بل هي نموذج سلوكي يمارسه صاحب السموّ في جميع مناحي الحياة، وليس المهمّ شكل الحدَث أو طبيعة الإنجاز وضخامته بل المهم هو الروح التي تحرك هذا العمل ودورها الصحيح في خلق الإحساس بالإيجابية والاندفاع نحو مزيدٍ من الإنجاز، فالاحتفاءُ بفريق مسبار الأمل، ورائد الفضاء هزاع المنصوري، ومحطة براكة هو في روحه وصميمه وجوهره مثل الاحتفاء بمُعلّمة بسيطة في مدرسة نائية تعلّم طلابها روح المبادرة والإقدام واستقبال الحياة بشجاعة وبسمة في طلعة الصباح الجميل، وهو احتفاء صاحب السمو بمُسعفةٍ في الدفاع المدني أسهمت في بثّ روح الشجاعة والإيجابية فيمن حولها، والمعنى أنّ صاحب السموّ يريد أن يكون التفكير السائد المُهيمن على الروح الوطنية هو الشعور بالثقة والرغبة الصادقة في خدمة الوطن، وبثّ روح الإقدام والجسارة في جميع مرافق الحياة تعبيراً عن الروح الإيجابية التي يشعر بها إنسان هذه البلاد.

في هذا السياق الرائع من المواءمة بين الفكر والسلوك، تأتي جولة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مع فريق العمل في مدينة دبي لتكون رسالة للجميع بأنّ عجلة الحياة يجب أن لا تتوقف، وأنّ مهمة القائد هي تجديد الإحساس بالحياة وتبسيط المشكلات ومواجهة التحديات، وممارسة الحياة بشكلها الطبيعي بل بشكلها الرياضي، فقد كان المغزى عميقاً حين ارتدى صاحب السموّ بدلة الرياضة وتجوّل على دراجته الهوائية في أحياء المدينة بهدوء كامل وتأمّل وتذوّق لإيقاع الحياة في مدينته الأغلى على قلبه «دبيّ» التي بذل الغالي والنفيس حتى صارت أيقونة المدن وزهرة البلاد، ومقصد الزوار ومركز النشاط والاقتصاد.

كيف تكون مشاعر المواطنين حين يرون قائدهم يمارس الحياة بكل هذه العفوية والبساطة والصدق؟

هذا ما يريد صاحب السموّ أن يترسخ في وجدانهم: إنّ الحياة جميلة ويجب أن نحتفي بها، ونحبها ولكن من دون نسيان للآخرة، ولذلك حين حان موعد الصلاة، اصطف الفريق بين يدي المولى سبحانه، وأدى الصلاة في وقتها جمعاً بين الدين والدنيا، وترسيخاً لفكرة الالتزام بالواجبات دينية كانت أم دنيوية { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً }.

إنّ واحدة من أعمق الملامح في شخصية صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد وأكثرها رسوخاً في مسيرته الرائدة هي الجمع القوي بين القول والعمل، بل إنّ فكرة العمل كفكرة إقناعية هي المقدمة في برنامجه، مع الحرص الدائم على ابتكار الحلول غير المتوقعة مما يرسّخ الثقة بفريقه ورؤيته للحياة، وقد عبّر سموّه عن هذا التلازم المُبدع بين القول والعمل في قوله في كتابه الجميل المُحرّك للقلوب والطاقات:«مرّت علينا في السنوات الأخيرة أزمة مالية وصعوبات اقتصادية، فكان الناس ينظرون إلينا وينتظرون منا الحديث أو الكلام، فأرسلنا لهم رسائل بأفعالنا قبل أقوالنا، وبمبادراتنا قبل خطاباتنا، وبتوسعاتنا في مشاريعنا قبل تصريحاتنا، فاطمأنّ الناس ووثق العالم بنا لأنهم رأوا قناعةً داخلية وقوةً إيجابية عندنا بأننا لا نتراجع أو نستسلم بل نبتكر دائماً حلولاً جديدة وأفكاراً جديدة».

إنّ القيادة ليست مجرد السلطة على الآخرين بل هي رؤية ومسؤولية وأخلاق، يتلقاها قائدٌ عن قائد، وتسري في دمائه مثل الدم لكي تضمن له ديمومة النجاح ومواصلة السير، وصاحب السموّ قد تربّى في مدرسة القادة الكبار، وأتاحت له الحياة بكل تفاصيلها أن يعيش القيادة كأسلوب حياة، وأن ينتقي الرجال الذين يعتمد عليهم في تنفيذ جميع ما يريد تنفيذه، يدفعه إلى ذلك كله حبٌّ صادق لهذا الوطن الطيب المعطاء، فالقائد لا يُبدع إلا إذا كان معمور القلب بحب الوطن والإنسان، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في قصيدة معبّرة عن هذا المغزى العميق سمّاها «علمك يا بلادي» وهي منشورة في ديوانه الكبير «زايد» يقول فيها:

علَمْكْ يا بلادي على الشمس ظلّهْ

              دولة الإمارات الشرف والريادهْ

وحِبّك تِمكّنْ في ضميري محلّه

             وحِبّ الوطن عند النشاما عباده

لك منزلٍ ما حدْ غيرك وصلْ لهْ

             ونال الشرف من نال فيك الشهادهْ

أعطيك كل الحبْ والعمرْ كِلهْ

             وينقاد لأجلك لي عزيز انقيادهْ

أسّسْ حِماكْ أهل الكرم والمَحلِّهْ

             وأعطاك زايدْ ما يكون وزيادهْ

ونِحنْ على نهج الرجال ونِدِلَّهْ

             وما خاب قايد عَ الرجال اعتمادهْ

صدقت سيدي يا صاحب السموّ «ما خاب قايد عَ الرجال اعتماده»، ودُمتَ ذُخراً لهذا الوطن الذي أحببتَه وأحبك: قائداً جسوراً يقتحم الصعاب، وفارساً مقداماً يمتطي الخيل العراب، وشاعراً مُبدعاً يسحر بقوافيه العذبة القلوب والألباب، وسيبقى هذا الوطن بخير ما دمت ترعاه بعينك التي لا تغفل عن مصالحه وهموم إنسانه، وحاجات أبنائه، وستظل كلماتك نبراساً يضيء الطريق، وأفعالك هادياً يحدو الركب ويقود المسيرة إلى المقام الرفيع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات