من مواجهة الإرهاب إلى مواجهة التمرّد

تراجعت قدرات التنظيمات الإرهابية في العراق كثيراً، سواء في أعداد المنتسبين لها، أو بما يتاح لها من موارد وحواضن بعد سنوات من المعارك الخاسرة التي خاضتها مع القوات المسلحة العراقية وقوات التحالف الدولي، ما أكسب العراق قدراً من الاستقرار تقلقه مخاطر جديدة تتأتى من جهات كانت حليفة خلال القتال ضد تنظيم داعش الإرهابي، وهي الميليشيات الولائية ذات التبعية للحرس الثوري الإيراني والتي تصنف نفسها كجزء من الحشد الشعبي.

هذه الميليشيات ترفض الانصياع لسياسات الدولة، ولا تخفي ولاءها للنظام الإيراني، وتنال بسلوكياتها الكثير من هيبة الدولة العراقية إلى الحد الذي يمكن نعتها بالمتمردة.

التمرد هو تحدي الدولة، والعمل على ما يخلُّ بأمنها ويضعف هيبتها، خاصة في القضايا السيادية التي تتعلق بحمل السلاح أو الاعتداء على البعثات الدبلوماسية، أو انتهاج سياسات إعلامية لا تتفق مع استراتيجياتها.

لم يمضِ سوى شهرين على تولي مصطفى الكاظمي مهام منصبه رئيساً للوزراء، حتى بدأ يواجه تحديات هذه الميليشيات الولائية في ظل ظروف محبطة للغاية له شخصياً ولحكومته، فالخزينة خاوية وجائحة «كورونا» في أوج انتشارها، ووضع العراق المالي ينذر بالخطر مع تدهور أسعار النفط، ومؤسسات الخدمات في حالة شبه انهيار، والفساد في أعلى درجات الاستشراء والبلاد في أقصى درجات الضعف.

وإضافة إلى كل هذا وذاك، ورث الكاظمي سجلاً دموياً جعل منه «ولي الدم» لأكثر من 600 شاب وفتاة سقطوا صرعى أو غُيبوا بعمليات الاختطاف، وصنعت منه كذلك «ضامناً» لحقوق أكثر من 20 ألف جريح ومعاق منذ بدء الحركة الاحتجاجية الشعبية السلمية للمطالبة بأبسط الحقوق.

الكاظمي جاء تلبية لمطالب الانتفاضة التي ما كان له أن يتبوأ منصبه لولا اندلاعها، وفي ضوء تحليل الأحداث التي وضعته في بعض الاحتكاكات مع هذه الميليشيات التي تُصعد من تحدياتها للدولة، لنا أن نتساءل عما إذا سيتمكن من المضي قدماً إلى نهاية الطريق في وضع أجندته موضع التنفيذ، أم أنه سيكبو في إحدى محطاته؟

مهمة الكاظمي ليست سهلة ولكن الداعم للأخذ بها هو صاحب الشرعية الأولى والأخيرة في العراق وهو جمهور انتفاضة أكتوبر 2019، يد الشعب الصلدة، وضميره ورمز نهضته ووحدته، وليس السوق التي تجرى فيها المساومات وتعقد الصفقات بين الأحزاب الفاسدة التي تسيّدت المشهد السياسي منذ سقوط النظام السابق، والتي لم تكن مخرجات سياساتها سوى بؤس يتذوق العراقيون منذ 17 عاماً مراراته.

ليس أمام الكاظمي سوى خيار واحد، وهو المواجهة لاستعادة هيبة الدولة وسُمعتها وسيادتها التي تهددها وتنتقص منها هذه الميليشيات الولائية، وليس الدخول في أية مساومة أو إعادة إخراج المشهد بتبني أنصاف الحلول بما يطمئن هذه الميليشيات، فالصراع الجوهري في العراق قد تحول من صراع الدولة ضد الإرهاب إلى صراعها ضد التمرد.

المواجهة مع هذه الميليشيات حتمية، فالكاظمي أمام اختبار يرتهن به مستقبله السياسي، فهو ملزم بتنفيذ ما وعد به في برنامجه الوزاري، وفي التصريحات المتكررة التي أدلى بها بما يتعلق بمطالب انتفاضة أكتوبر، والإيفاء بوعوده وبالديون لشباب الانتفاضة الذين جاؤوا به لسدة الحكم.

الكاظمي ليس بمواجهة شباب غُسلت أدمغتهم وحُرّفت ولاءاتهم، بل بمواجهة قيادات ميليشياوية صعبة المراس تنتمي للدولة العميقة، التي حصّنت نفسها بالأموال التي سرقتها مرجعياتها السياسية عبر رعايتها للفساد على مدى 17 عاماً منذ التغيير عام 2003، دولة عميقة وضعت استراتيجيات دفاعاتها استناداً إلى تشريعات قانونية صدرت عن المجلس النيابي.

استعادة هيبة الدولة وحصر السلاح بأجهزتها الأمنية لم يكن سوى شعار فارغ رددته الحكومات التي سبقت حكومة الكاظمي، التي تميزت عن سابقاتها، فعلى الرغم من المدة الزمنية القصيرة التي قضتها في الحكم، فقد اتخذت عدداً من القرارات لتحصين الوضع الأمني عبر تغييرات في المراكز القيادية الأمنية الهامة.

إلا أن المهمة لا ينبغي أن تقف عند ذلك، فالنفوذ الميليشياوي قد امتد إلى جميع مرافق الحياة، فما ننتظره من الكاظمي هو المزيد من الخطوات نحو اجتثاث هذا النفوذ الذي يستخدم قدرات الدولة لإلحاق المزيد من الضرر بوحدتها وبالنيل من سُمعتها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات