الكفاءة أولاً

تتغير أنماط الإدارة وقوانين الموارد البشرية بين حين وآخر، وكلما تقدمنا نحو المستقبل، تقل الارتباطات والأعراف المنظمة للعمل، لتجعله أكثر مرونة، ولتجعله قائماً على تحقيق مصلحة العمل، بصرف النظر عن التعقيدات الإدارية وارتباطاتها، التي تحيل في كثير من الأحيان بين الموظف وقدرته على العطاء بأفضل صورة ممكنة.

انتشرت قبل أيام رسالة من رئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» محمد العبار إلى موظفيه، يخبرهم بتوجه الإدارة لإلغاء المسميات الوظيفية، في خطوة لجعل الموظف يركز على مهام العمل بعيداً عن المنصب الذي يتولاه، وأيضاً لجعل العطاء المقياس لكفاءة الموظف.

وحقيقة فإن هذا التوجه مفيد جداً إذا طبق بالشكل الصحيح، وترتب عليه القيام بالكثير من التغييرات في السلم الوظيفي والحوافز والبدلات، وإخضاعها لشرط الكفاءة والإنجازات، وليس عدد سنوات العمل أو حتى المنصب.

في وقت سابق، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوقيع أمر تنفيذي بتوجيه تعليمات لفروع الحكومة الفدرالية، بالتركيز على المهارات بدل الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الفدراليين.

وقد رأت إدارة ترامب أن الكفاءة والمهارات أهم بكثير من الشهادات، وأن هناك موظفين أكفاء ولديهم أفكار تطويرية ربما لا يملكون الشهادات الجامعية، التي تؤهلهم لتسلم هذه الوظائف، لكن لديهم المهارات الكافية لتسلم مثل هذه الأدوار، ولذلك من الضروري إجراء بعض التغييرات في نظام التوظيف، للاستفادة من هؤلاء المهرة.

أليس عجباً أن نشاهد أغلب أصحاب الشركات العملاقة لم يكملوا تعليمهم الجامعي أو توقفوا عند حد معين، وذلك لأنهم يملكون المهارة الكافية لخلق فرص جديدة، واستثمارات خلاقة تجعل منهم أكثر الناس على الأرض نجاحاً، إن الكفاءة والمهارة وحتى الإبداع لا توثقه الشهادات، ولا تعبر عن قيمته الدرجات.

ولا تظهر مدى كفاءته الامتحانات، إنما يمكننا قياسه بحجم الإنجارات، وكثيراً ما تحيل بين أصحاب المواهب والمبدعين وبين إظهار إمكاناتهم تلك القوانين الإدارية، حيث إنه ما زال بمنظورنا الإداري أن أصحاب الشهادات هم الأقدر والأجدر، بل إن قوانيننا ولوائحنا تعطي المناصب لمن يملك الشهادات العليا، وتفضلهم عن غيرهم ممن قد يكونوا أكثر كفاءة.

لا أقصد أبداً أن أصحاب الشهادات ليسوا أهلاً للعمل ولا يتمتعون بالكفاءة ولا الإبداع، ولكن ما أقصده أنه عندما يجتمع شخصان للتنافس على منصب قيادي ما فإنه ترجح كفة صاحب الشهادة بصرف النظر عن طبيعته القيادية أو الكفاءة والمهارة التي يتمتع بها، وحتى أصحاب الشهادات في ما بينهم، فدائماً ما يفضلون صاحب الشهادة من الجامعة الفلانية أو الدولة العلانية على غيرها، باعتبار أنها هي المقياس الذي يحدد إن كان هذا الشخص على قدر من الكفاءة المطلوبة من عدمه، في حين أن هذا الأمر غير صحيح بتاتاً، وقد يخدعنا في الكثير من الأحيان.

في عصرنا الحالي، أصبحت مصادر التعلم مفتوحة ومتاحة للجميع، ولا يقترن الانتساب لجامعة معينة أو معهد معين هو المقياس لتعلم مهارة جديدة، فالكثير من المهارات الإبداعية لو سألت أصحابها كيف تعلموها ومن أين اكتسبوها، ستجد أنه اجتهاد شخصي لا توثقه أي شهادة، إنما يمكن الاستدلال عليه من الواقع العملي والمهني.

ولهذا من الواجب أن تتغير الكثير من الأنظمة الإدارية الحالية الراهنة، ليتاح للاستفادة من أصحاب هذه القدرات، وللاستفادة من هؤلاء الشغوفين بتعلم المزيد، فهؤلاء تجدهم أكثر الأشخاص تطوراً في العمل ومستجداته، وما يستحدث من حولهم من أمور متعلقة بطبيعة عملهم.

صحيح أن البعض سيقول: إن هذا التوجه سيحمّل إدارات الموارد البشرية الكثير من الأعباء في اختيار الموظف المناسب للمكان المناسب، وهذا صحيح، ولكن هذا التوجه أيضاً سيجعل الأمور تمضي نحو الأفضل في المستقبل.

ولهذا يجب على إدارات الموارد البشرية تغيير أنماط التوظيف وطرقها التقليدية، واستحداث طرق جديدة يستطيعون من خلالها اكتشاف إمكانيات الأشخاص المتقدمين لوظائفهم، وطرقاً لقياس حجم إبداعهم وابتكارهم قبل النظر لما يملكونه من شهادات وأوراق ثبوتية، وأيضاً عليهم إعطاء الفرصة لأصحاب المواهب الخارقة ممن يعملون لديهم ويقدرونهم ويضعونهم بالمكان الصحيح، للاستفادة من قدراتهم بأكثر قدر ممكن.

في هذا التوقيت بالذات، نحن بحاجة للكفاءات من أصحاب العقول القادرة على إدارة الأزمات ممن يخرجون من الصندوق لابتكار كل ما هو جديد، وفي هذا العالم الذي كلما يأخذ شكلاً جديداً من الانفتاح وجب أن يكون لقوانيننا الإدارية أن تأخذ القدر الكافي من الانفتاح لتستفيد من كل شخص مبدع كفؤ قادر على العطاء، ونأمل أن تأخذ شركاتنا ومؤسساتنا ووزاراتنا نصيبها من هذا التوجه، ونواكب العالم الجديد في توجهاته الحديثة.

*كاتب وإعلامي

د. يوسف الشريف*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات